تُظهر نتائج استطلاع جديد أن شركات كثيرة تتحرك بسرعة نحو إدخال وكلاء الذكاء الاصطناعي في عملياتها، لكن طبقة السياق التي تعتمد عليها هذه الأنظمة لا تنمو بالوتيرة نفسها. فبدل أن تكون المشكلة في قدرة النماذج على البحث أو الاسترجاع فقط، بات التحدي الأكبر في الثقة بالمعلومات التي تُغذّى بها هذه النماذج، وفي ما إذا كان هذا السياق متسقاً ومُداراً وقابلاً للرقابة.
النتيجة الأساسية هنا واضحة: المؤسسات لا تعاني من نقص الأدوات بقدر ما تعاني من فجوة سياق، أي المسافة بين الإجابة التي تبدو واثقة وتلك التي تستند فعلاً إلى معرفة داخلية موثوقة. وفي بيئة عمل تعتمد على القرارات السريعة، يصبح هذا النوع من الخطأ أكثر خطورة من الخطأ الصريح، لأن المخرجات تبدو دقيقة بينما هي في الواقع مبنية على بيانات ناقصة أو تعريفات قديمة أو وثائق غير مكتملة.
أغلبية المؤسسات واجهت إجابات خاطئة لكنها واثقة
من بين 101 مؤسسة شملها الاستطلاع، قالت 57% إنها شهدت خلال الأشهر الستة الماضية حالة قدّم فيها وكيل ذكاء اصطناعي إجابة واثقة لكنها غير صحيحة، ثم تبيّن أن السبب يعود إلى سياق داخلي مفقود أو غير متسق. والأكثر دلالة أن أكثر من نصف هذه المؤسسات قالت إن الأمر تكرر معها أكثر من مرة، ما يعني أن المشكلة ليست حادثة معزولة بل نمط تشغيلي متكرر.
في المقابل، ذكرت 28% فقط أنها لم ترصد هذا النوع من الفشل. كما أشارت نسبة صغيرة إلى أنها لا تشغّل وكلاء ذكاء اصطناعي على بيانات المؤسسة أصلاً، أو أنها لا تتبع الجذر التشغيلي للخطأ بما يكفي لتحديده. هذه الأرقام تعطي انطباعاً بأن السلوك الواثق الخاطئ أصبح إحدى أكثر المشكلات العملية شيوعاً في نشر الذكاء الاصطناعي داخل الشركات.
المفارقة أن النماذج لا تبدو هنا وكأنها “تهلوس” بمعناها التقليدي، بل تبدو منطقية ومقنعة لأن الخلل يقع في الطبقة السابقة عليها: طبقة السياق. وهذا ما يجعل المشكلة أصعب من مجرد تحسين المخرجات، لأنها تتطلب بناء بنية بيانات أكثر انضباطاً وليس فقط نموذجاً أقوى.
RAG أصبح المصدر الافتراضي للسياق
الاستطلاع يوضح أيضاً أن الاسترجاع المعزز بالبحث، أو ما يُعرف بـ RAG، أصبح الطريقة الأكثر استخداماً لفهم وكلاء الذكاء الاصطناعي لبيانات المؤسسة. فقد قالت 38% من المؤسسات إن هذا النهج هو المصدر الأساسي للسياق، متقدماً على أي بديل آخر.
بعده مباشرة جاءت الطبقة الدلالية المُدارة أو الـ ontology بنسبة 21%، ثم الأساليب المختلطة بنسبة 14%. أما الربط المباشر مع الأنظمة الحية مثل SQL وواجهات البرمجة فبلغ 10%، بينما اعتمدت 6% فقط على تحميل سياق طويل، و2% فقط على المعرفة العامة للنموذج من دون إضافة سياق مؤسسي.
هذا التوزيع مهم لأنه يثبت أن إضافة المعرفة وقت التشغيل أصبحت هي القاعدة، لا التدريب المتخصص للنموذج نفسه. وبكلمات أخرى، المؤسسات لا تعتمد على تغيير أوزان النماذج لتجعلها تفهم أعمالها، بل تضيف المعلومات الخارجية عند الطلب. لذلك تصبح جودة الاسترجاع وجودة تنظيم المحتوى هما عامل الثقة الحقيقي.
المنصات الكبرى تتقدم على قواعد البيانات المتخصصة
من أبرز التحولات التي رصدها الاستطلاع أن الاسترجاع المدمج داخل منصات النماذج الكبرى والحوسبة السحابية أصبح يتقدم على قواعد البيانات المتخصصة في المتجهات. فقد قالت 40% من المؤسسات إنها تستخدم OpenAI file search أو أدوات استرجاع مرتبطة بـ OpenAI، فيما أفادت 38% بأنها تعتمد Google Vertex AI Search.
في المقابل، جاءت Elasticsearch أو OpenSearch بنسبة 20%، وpgvector بنسبة 12%. أما قواعد البيانات المتخصصة مثل Weaviate وQdrant وPinecone وMilvus فجاءت بنسب أقل، تتراوح بين 6% و12% بحسب المنتج. كما قالت 10% من المؤسسات إنها تدير طبقة استرجاع مخصصة طورت داخلياً.
اللافت هنا أن المنصة الشاملة أصبحت غالباً الخيار العملي، حتى لو لم تكن الخيار المثالي من ناحية المرونة. فالمؤسسات تميل إلى الأدوات التي تأتي ضمن منظومات تعمل معها بالفعل، خصوصاً عندما يكون عامل السرعة في التنفيذ وسهولة الدمج أهم من بناء بنية مستقلة من الصفر.
رغبة معلنة في الاستقلال مقابل استخدام فعلي للمنصات المدمجة
رغم هذا الميل الواضح إلى الأدوات المدمجة، فإن المؤسسات لا تبدو مقتنعة بالكامل بفكرة الانغلاق داخل منظومة مزود واحد. فعند سؤالها عن الاتجاه المستقبلي، قالت 36% إنها تريد الإبقاء على أدوات أفضل من فئات متعددة، مثل قاعدة بيانات متخصصة وأدوات تقييم وتنسيق منفصلة.
في المقابل، قالت 21% فقط إنها تنوي توحيد بنيتها حول طبقة سياق أصلية يقدمها مزود واحد، بينما توقعت 21% أخرى اعتماد نموذج مختلط يجمع بين أدوات مدمجة وأخرى مستقلة حسب عبء العمل. كما لم تحسم 14% موقفها، وقالت 9% إنها ستبني طبقة السياق وتديرها داخلياً بالكامل.
هذه الفجوة بين الاستخدام الحالي والرغبة المعلنة توضح أن السوق لا يتحرك وفق منطق فني بحت، بل وفق مزيج من الراحة التشغيلية، والاعتماد على المنصة، والرغبة في الحفاظ على الاستقلال. وهذا التوازن سيحدد من يربح في طبقة الاسترجاع خلال المرحلة المقبلة.
البنية الهجينة تبدو الخيار الأقرب للمؤسسات
عندما سُئلت الشركات عن شكل الاسترجاع الذي سيهيمن بحلول نهاية 2026، كانت الإجابة الأقرب إلى الإجماع هي البنية الهجينة. فقد توقعت 34% أن يتصدر هذا النموذج، وهو يجمع بين التمثيلات المتجهية وإعادة الترتيب وضوابط الوصول.
في المقابل، لم يتوقع سوى 11% أن يهيمن نموذج المتجهات وحده، بينما قالت 14% إنها تتجه نحو أسلوب يعتمد على الأدوات أو السياق الطويل من دون طبقة متجهية مخصصة. كما أجاب 13% بأن الاسترجاع سيكون متعدد البنى بحسب الاستخدام، وقال 17% إنهم لا يعرفون بعد.
هذا يعكس قناعة متزايدة بأن البحث المتجهي وحده لم يعد كافياً. فالمطلوب اليوم ليس فقط العثور على المستند الأقرب، بل أيضاً إعادة ترتيب النتائج، وفرض ضوابط صلاحيات، وتفادي تمرير محتوى غير مسموح أو غير دقيق إلى الوكيل الذكي. وبذلك يتحول الاسترجاع من وظيفة بحث إلى طبقة حوكمة كاملة.
الطبقة الدلالية المُدارة ما زالت في طور البناء
الاستطلاع يرسم أيضاً صورة أكثر نضجاً حول ما يُعرف بالطبقة الدلالية المُدارة، وهي البنية التي تهدف إلى تقديم فهم مشترك للبيانات بين الذكاء الاصطناعي وأدوات التحليل. فقد قالت 25% من المؤسسات إنها تستخدم هذه الطبقة في الإنتاج بالفعل، بينما أوضحت 34% أنها تبنيها أو تختبرها، و17% أنها تقيّمها حالياً.
هذا يعني أن أكثر من نصف المؤسسات إما تستخدمها أو تعمل على بنائها، لكن الفكرة لا تزال بعيدة عن النضج الكامل. فالعدد الأكبر من المؤسسات ما زال في مرحلة التنفيذ، لا في مرحلة الاستقرار. وهنا تكمن النقطة الجوهرية: الحل الموعود لفجوة السياق موجود، لكنه لم يكتمل بعد.
وبما أن كثيراً من الأخطاء ناتج عن اختلاف التعريفات أو نقص الاتساق، فإن بناء طبقة دلالية موحدة يبدو منطقياً كخط دفاع أساسي ضد الإجابات الخاطئة ذات المظهر الموثوق. لكن الانتقال من القناعة إلى الإنتاج الكامل يحتاج وقتاً واستثماراً وتنسيقاً بين فرق البيانات والهندسة والحوكمة.
المؤسسات تشتري على أساس سهولة التشغيل وتراقب على أساس الدقة
عند اختيار نظام استرجاع، لم تكن الدقة هي العامل الأول في قرارات الشراء. فقد قالت 36% إن سهولة إدخال البيانات هي المعيار الأهم، تلتها 32% لسرعة الأداء و29% للبساطة التشغيلية. أما الدقة وضوابط الوصول فحصل كل منهما على 23% فقط.
لكن الصورة تتغير بعد النشر. فالمؤسسات قالت إنها تتابع أولاً صحة الإجابة بنسبة 42%، ثم الأمان والتحكم في الوصول بنسبة 38%. وبعدهما تأتي السرعة والاستقرار والتوافق مع التوقعات. وهذا يعكس سلوكاً مألوفاً في التقنية المؤسسية: ما يسهل اعتماده عند الشراء ليس بالضرورة ما يحدد قيمته بعد التشغيل.
كما بلغ متوسط الرضا العام 4.0 من 5، وهو مستوى جيد لكنه غير استثنائي. وبمعنى آخر، المؤسسات ليست غاضبة من أنظمتها الحالية، لكنها أيضاً ليست مطمئنة بما يكفي لتعتبرها نهائية.
السوق يتجه إلى إعادة توزيع في مزودي الاسترجاع
تُظهر النتائج أن حركة التبديل أو الإضافة لا تزال قائمة بقوة. فـ 43% فقط قالت إنها لا تخطط لتغيير مزود الاسترجاع، بينما تنوي 26% القيام بذلك خلال ثلاثة أشهر، و21% خلال ستة أشهر، و15% خلال 12 شهراً.
أما عند سؤالها عمّن تفكر فيهم، فبقيت الخيارات الأقرب إلى الواقع الحالي هي OpenAI وVertex AI Search، لكن اللافت هو نمو الاهتمام ببعض اللاعبين المتخصصين مثل Qdrant وMilvus، إذ ظهرت جاذبيتهم في خطط التحول أعلى من حصتهم الحالية في الاستخدام. وهذا قد يشير إلى أن المؤسسات تبحث عن توازن أفضل بين المرونة والاستقلال والجودة.
في المحصلة، لا يبدو أن السوق سيستقر حول فائز واحد بسهولة. الأقرب هو بنية متعددة الطبقات، تجمع بين الاسترجاع، وإعادة الترتيب، والحوكمة، والتحكم في الصلاحيات، وربما مزودين مختلفين بحسب الحالة.
الخلاصة: المشكلة ليست في وفرة الاسترجاع بل في موثوقية السياق
الدلالة الأساسية لهذا الاستطلاع أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لا يتعثر اليوم بسبب نقص قدرة النماذج على الإجابة، بل بسبب هشاشة السياق الذي تُبنى عليه الإجابات. فالمؤسسات تنشر وكلاء أسرع مما تبني طبقة الثقة التي تمنع الخطأ الواثق من التحول إلى قرار تشغيلي خاطئ.
الاسترجاع أصبح أساس البنية، لكنه لم يعد كافياً وحده. والمستقبل الأقرب يبدو متعلقاً بقدرة الشركات على دمج الاسترجاع مع الحوكمة والطبقة الدلالية والبنية الهجينة، قبل أن تصبح الأخطاء المقنعة جزءاً اعتيادياً من العمل اليومي.