في خطوة تعكس التحول المتسارع في قطاع التأمين، تعتمد أفيفا على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواجهة موجة متطورة من الاحتيال في المطالبات، بعدما كشفت الشركة عن تعرّضها لمطالبات احتيالية ومبالغ فيها وصلت إلى 230 مليون جنيه إسترليني.
القضية لم تعد تقتصر على مبالغ صغيرة أو محاولات بدائية لتضخيم التعويضات. فبحسب ما يظهر من اتجاهات السوق، بات المحتالون يستخدمون أدوات رقمية متقدمة لصناعة أدلة تبدو حقيقية، ما يضع شركات التأمين أمام تحدٍ جديد: كيف يمكن التحقق من صحة الوقائع عندما يصبح التزييف أسهل وأسرع وأرخص من أي وقت مضى؟
رد أفيفا جاء عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في الجهة المقابلة من المعادلة. فبدل الاكتفاء بالتحقق اليدوي أو المراجعات التقليدية، تبني الشركة نظامًا تحليليًا قادرًا على فرز كميات ضخمة من البيانات والبحث عن الإشارات غير الطبيعية التي قد تكشف وجود احتيال أو مبالغة في الطلبات.
الذكاء الاصطناعي يواجه صورًا ووثائق مزيفة
أحد أبرز التهديدات التي تواجه شركات التأمين اليوم يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء صور مقنعة لحوادث السيارات أو الأضرار المزعومة. هذه الصور لم تعد مجرد تعديلات سطحية يمكن كشفها بسهولة، بل قد تبدو متماسكة بما يكفي لإقناع موظف مطالبات يعمل تحت ضغط وضمن وقت محدود.
ولا يتوقف الأمر عند الصور. فالأدوات نفسها تُستخدم لإعداد فواتير إصلاح، وتقارير طبية، ومستندات تبدو رسمية رغم أنها لا تستند إلى وقائع حقيقية. وبهذه الطريقة يستطيع فرد واحد أو مجموعة صغيرة إنتاج ملف كامل يدعم عشرات المطالبات عالية القيمة من دون الحاجة إلى شبكة واسعة من المتعاونين.
هذا التحول يغيّر طبيعة الاحتيال التأميني نفسها. فبدل الاعتماد على الحيلة التقليدية أو المبالغة في وصف الخسائر، أصبح بالإمكان بناء قصة متكاملة مدعومة بمستندات وصور مصممة رقميًا، ما يجعل اكتشاف التزوير أكثر تعقيدًا ويزيد الاعتماد على الأنظمة الذكية في التدقيق.
كيف يحلل النظام البيانات لاكتشاف الشذوذ
تعمل منظومة أفيفا على مقارنة كل مطالبة جديدة بأنماط سابقة من المطالبات المشروعة والمشبوهة. الفكرة الأساسية هنا هي أن الذكاء الاصطناعي لا ينظر إلى مستند واحد بمعزل عن غيره، بل يربط بين تفاصيل متعددة قد لا يلتقطها المحلل البشري بسهولة.
على سبيل المثال، يمكن للنظام أن يراجع ما إذا كان وصف الحادث يتوافق مع نوع الأضرار الظاهرة في الصور، أو ما إذا كانت توقيتات المستندات منطقية ومتسقة، أو إذا كانت أرقام تسجيل المركبات قد ظهرت سابقًا في ملفات مريبة أخرى. كما يمكنه مقارنة تكلفة الإصلاح أو استبدال القطع بمئات أو آلاف السجلات المشابهة لاكتشاف الأسعار الشاذة.
هذه القدرة على الجمع بين البحث السريع في البيانات ومطابقة الأنماط تمنح فرق التحقيق أداة أكثر فعالية من المراجعة التقليدية. فالهدف ليس اتخاذ القرار النهائي آليًا، بل تصفية الكم الهائل من المطالبات وتحديد الملفات التي تستحق التدقيق البشري العميق.
من الاحتيال المنظم إلى تضخم المطالبات
ليست كل الحالات المتعلقة بالمبلغ الذي كشفته الشركة مرتبطة بشبكات إجرامية منظمة. جزء معتبر من المشكلة يقع ضمن ما يُعرف في القطاع بـ«تضخم المطالبات»، وهو شكل أكثر شيوعًا من الاحتيال أو المبالغة، حيث يجري رفع قيمة الفاتورة أو تعظيم الخسائر بشكل غير دقيق.
قد يحدث ذلك عندما تضيف ورشة إصلاح أعمالًا غير ضرورية إلى الفاتورة، أو عندما يبالغ صاحب بوليصة في قيمة المقتنيات المسروقة أو المتضررة. وهنا أيضًا تظهر فاعلية الذكاء الاصطناعي، إذ يستطيع تحليل قواعد بيانات ضخمة لمقارنة الأسعار والقيم السوقية واكتشاف عندما تكون التقديرات أعلى بكثير من المتوسط المعتاد.
على سبيل المثال، يمكن للنظام أن يقارن تكلفة قطعة غيار في ورشة معينة بمتوسط أسعار نفس القطعة لنفس الطراز في المنطقة نفسها، ثم يرفع تنبيهًا إذا كان الفارق كبيرًا وغير مبرر. هذه المقاربة لا تمنع الاحتيال بالكامل، لكنها تضيق المجال أمام محاولات التضليل وتمنح فرق التحقق نقطة انطلاق أوضح.
نموذج يعتمد على الإنسان والآلة معًا
رغم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لا تسعى أفيفا إلى تحويل قرار المطالبة إلى عملية آلية بالكامل. فالنموذج المعتمد يضع الإنسان في قلب العملية، بينما يقوم النظام الذكي بدور المرشح والمحلل الأولي.
هذا التوازن مهم لسببين رئيسيين. الأول أنه يقلل الوقت المستغرق في مراجعة الملفات الروتينية، والثاني أنه يحافظ على عنصر التقدير البشري في القضايا الحساسة التي قد تحمل تفسيرات متعددة. وفي قطاع يتعامل مع حقوق العملاء والتعويضات، تبقى مسألة العدالة والشفافية أساسية.
كما أن هذا الأسلوب يساعد على تجنب التحيزات المحتملة التي قد تظهر إذا تُركت الخوارزميات لتصدر الأحكام بمفردها. فكل نظام ذكاء اصطناعي يحتاج إلى إشراف ومراجعة وتحديث مستمر لبياناته ومعاييره، خصوصًا عندما يكون القرار مرتبطًا بإلغاء أو قبول مطالبة مالية.
دلالة أوسع لقطاع التأمين والخدمات المالية
ما تفعله أفيفا يتجاوز حدود شركة واحدة أو سوق بعينه. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تجد قطاعات كثيرة نفسها أمام معادلة جديدة: التقنية نفسها التي تزيد الإنتاجية وتخفض التكاليف قد تُستخدم أيضًا في التضليل والاحتيال.
في التأمين، يعني ذلك أن الدفاعات التقليدية لم تعد كافية وحدها. فالتحقق اليدوي، أو مطابقة البيانات بشكل جزئي، أو الاعتماد على خبرة الموظف فقط، لم تعد أدوات مناسبة في مواجهة ملفات يمكن إنشاؤها وتعديلها وإعادة تدويرها رقميًا خلال دقائق.
لذلك، تبدو الأنظمة القائمة على التعلم الآلي والتحليل السلوكي والرؤية الحاسوبية جزءًا متوقعًا من البنية الأساسية المستقبلية للشركات الكبرى في القطاع. فهي لا تحل محل فرق الامتثال والتحقيق، لكنها تمنحها قدرة أكبر على العمل بسرعة وعلى نطاق أوسع.
وفي نهاية المطاف، تكشف تجربة أفيفا عن اتجاه أوسع داخل الشركات التي تتعامل مباشرة مع العملاء: كلما أصبحت عمليات الاحتيال أكثر ذكاءً، صار من الضروري امتلاك دفاعات أكثر ذكاءً أيضًا. والذكاء الاصطناعي، في هذه الحالة، لا يمثل فقط أداة للكفاءة التشغيلية، بل خط دفاع حاسمًا ضد التلاعب الرقمي المتقدم.