23-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الصين تؤسس في شنغهاي أول مؤسسة حكومية دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي

وقّعت 29 حكومة اتفاقاً في شنغهاي لتأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، في خطوة تمنح الصين منصة مؤسسية جديدة داخل سباق وضع قواعد التقنية الأكثر تأثيراً في العالم.

تحول مؤسسي في سباق قواعد الذكاء الاصطناعي

دخلت الصين مرحلة جديدة في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي بعد توقيع 29 حكومة اتفاقاً في شنغهاي لتأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، المعروفة اختصاراً باسم WAICO. وبموجب الاتفاق، سيكون مقر المؤسسة في المدينة نفسها، لتصبح أول كيان حكومي دولي تقوده الصين مخصص بالكامل لحوكمة هذه التقنية المتسارعة.

الخطوة لا تقتصر على إعلان سياسي أو مبادرة رمزية، بل تمنح بكين بنية مؤسسية دائمة يمكنها من خلالها الدفع باتجاه نموذجها الخاص في تنظيم الذكاء الاصطناعي. كما أنها تأتي في لحظة تتسابق فيها القوى الكبرى على تحديد من يضع المعايير، ومن يملك حق تعريف المخاطر، ومن يحدد أولويات الاستخدام الآمن والعادل للتقنية.

من اقتراح سياسي إلى مؤسسة قائمة

المنظمة الجديدة لم تظهر من فراغ. فقد طُرحت فكرتها للمرة الأولى خلال نسخة سابقة من المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي، ثم تحولت لاحقاً إلى اتفاق تأسيسي يحمل طابعاً قانونياً ومؤسسياً أوضح. وبهذا الانتقال، تحاول الصين الانتقال من دور المنادي بالتعاون الدولي إلى دور المنشئ الفعلي لمنصة متعددة الأطراف في مجال الحوكمة التقنية.

شارك في مراسم التوقيع وزير الخارجية الصيني نيابة عن الحكومة، وحضر المناسبة أيضاً الأمين العام للأمم المتحدة، في إشارة إلى أن بكين تريد ربط المبادرة بشرعية دولية أوسع، لا باعتبارها مشروعاً صينياً خالصاً فحسب، بل بوصفها إطاراً يمكن أن ينافس الأطر القائمة أو يكملها.

ما الذي يعلنه الاتفاق وما الذي لا يوضحه

النص المعلن يربط WAICO بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويقدمها على أنها منصة تقوم على التشاور الواسع والمساهمة المشتركة وتقاسم المنافع. كما يصف هدفها بأنه تعزيز التعاون الدولي وإدارة الذكاء الاصطناعي على نحو يدعم السلامة والعدالة والمنفعة العامة، مع تبني مقاربة تضع الإنسان في المركز.

لكن هذه الأهداف العامة لا تعني أن المنظمة أصبحت أداة تنظيمية مكتملة. فالمعطيات المتاحة حتى الآن لا تكشف بدقة عن آلية اتخاذ القرار، أو حجم التمويل، أو كيفية التصويت، أو شروط العضوية، أو طريقة الانسحاب، أو الصلاحيات العملية التي قد تمنحها قدرة فعلية على فرض التزامات على الأعضاء. وبغياب هذه التفاصيل، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً حول ما إذا كانت المؤسسة ستكون منصة تنسيق سياسية أم جهازاً تنظيمياً ذا أثر ملموس.

هذا الغموض مهم لأنه يحدد طبيعة النفوذ الذي قد تمارسه الصين عبر المنظمة. فالمؤسسات الدولية لا تُقاس فقط باسمها أو عدد الدول الموقعة عليها، بل بقدرتها على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، ومن الإطار العام إلى قواعد العمل اليومية.

خريطة العضوية تحمل رسالة جيوسياسية

قائمة الأعضاء المؤسسين نفسها تكشف الكثير عن الاتجاه الذي تتجه إليه المبادرة. فإلى جانب الصين، تضم روسيا وإندونيسيا والبرازيل وباكستان وماليزيا وجنوب أفريقيا وكازاخستان، وهي تشكيلة يغلب عليها حضور دول من الجنوب العالمي، مع غياب واضح للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابان، إلى جانب الاقتصادات الغربية الكبرى الأخرى.

هذا التباين يجعل WAICO أكثر من مجرد منتدى تقني. إنها تعكس اصطفافاً جديداً في ملف الحوكمة الرقمية، حيث تسعى بكين إلى بناء كتلة تفاوضية من دول لا ترى نفسها ممثلة بالكامل في الأطر الغربية القائمة. كما أن غياب الاقتصادات المتقدمة الكبرى يمنح المنظمة منذ لحظتها الأولى طابعاً موازياً، لا جامعاً، في المشهد الدولي لتنظيم الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تعتمد الأطر الغربية عادة على مقاربة مختلفة تركز على معايير السلامة والمخاطر والشفافية والرقابة على النماذج المتقدمة. أما المبادرة الصينية فتظهر أكثر ميلاً إلى التركيز على التنمية، وإتاحة الوصول، وبناء القدرات، وتقليص الفجوة التقنية بين الدول الغنية والنامية.

بين التنمية والرقابة: نموذج صيني مختلف

الصين تعرض المنظمة الجديدة باعتبارها استجابة لما تسميه الفجوة العالمية في الذكاء الاصطناعي. وفي هذا التصور، لا يكفي الحديث عن الحد من المخاطر، بل يجب أيضاً معالجة عدم المساواة في الوصول إلى البنية التحتية والبيانات والحوسبة والخبرة التقنية. لذلك تبدو WAICO أقرب إلى إطار يربط الحوكمة بالتنمية، وليس فقط بالأمن والسلامة.

هذا التوجه ينسجم مع رؤية أوسع لدى بكين ترى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُدار كأداة للنمو والتحديث الصناعي وبناء القدرات الوطنية، لا كملف رقابي بحت. ومن هنا يأتي التركيز على التعاون العملي، والمشاريع المشتركة، وتوسيع استفادة الدول النامية من البنية التحتية والمعرفة والأنظمة الذكية.

لكن هذا الطرح يفتح أيضاً أسئلة حول حدود التنظيم ودرجة الصرامة. فكلما زاد التركيز على التوسع والوصول، زادت الحاجة إلى ضمانات واضحة تتعلق بالسلامة، والاستخدام المسؤول، ومنع الانحرافات، والشفافية في نشر الأنظمة المتقدمة.

الانعكاسات على التوازن العالمي في حوكمة التقنية

أهمية WAICO لا تكمن في عدد توقيعاتها فقط، بل في موقعها ضمن المنافسة الأوسع على كتابة قواعد العصر الرقمي. فالمشهد العالمي للذكاء الاصطناعي لم يعد محكوماً فقط بقدرات الشركات الكبرى أو سرعة تطوير النماذج، بل أيضاً بمن يملك حق وضع اللغة التنظيمية التي ستحدد مستقبل هذه الصناعة.

وفي هذا السياق، تبدو الصين وكأنها تبني منصة تتيح لها العمل عبر المفاوضات الجماعية، ثم نقل ما يُتفق عليه إلى ساحات دولية أوسع، وعلى رأسها الأمم المتحدة. هذا المسار يمنحها فرصة لتوسيع حضورها الدبلوماسي في ملف كانت الهيمنة الغربية عليه أوضح خلال السنوات الماضية.

كما أن المبادرة تأتي في ظل احتدام التنافس بين واشنطن وبكين حول الشرائح المتقدمة وسلاسل التوريد والقيود التكنولوجية. ومع تراجع الثقة المتبادلة، تصبح مؤسسات الحوكمة نفسها جزءاً من الصراع، لا مجرد أداة لإدارته.

ما الذي ينبغي مراقبته لاحقاً

المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت WAICO ستتحول إلى مؤسسة عاملة أم ستظل إطاراً سياسياً فضفاضاً. وهناك ثلاثة مؤشرات ستحدد ذلك بوضوح:

  • إقرار آليات تشغيل فعلية تشمل الأمانة العامة والميزانية والهيكل الإداري
  • إطلاق برامج تمويل أو مشاريع عملية تستهدف تقليص فجوة الذكاء الاصطناعي بين الدول
  • تحديد علاقة المنظمة بمسارات الأمم المتحدة والأطر الدولية الأخرى الخاصة بالحوكمة الرقمية

حتى الآن، توفر الصين منصة جديدة تتحدث باسم الجنوب العالمي وتطرح رؤية مختلفة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. لكن التأثير الحقيقي سيعتمد على ما إذا كانت هذه المنصة ستنتج قواعد قابلة للتنفيذ، أم ستبقى أداة لتعزيز الكتلة الدبلوماسية الداعمة لبكين في واحد من أهم ملفات التكنولوجيا في العالم.