تتغير طريقة اتخاذ قرارات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات بسرعة، لكن التغيير الأهم لا يظهر دائماً في الميزانيات أو في الخرائط التنظيمية. ما يحدث في كثير من المؤسسات هو انتقال مركز النقاش من مسؤولي التقنية الكبار إلى خبراء أصغر سناً في فرق البيانات أو إلى مستشارين وموردين خارجيين، بينما يجد مديرو تقنية المعلومات أنفسهم في موقع المتلقي لقرارات لم يشاركوا في صياغتها من البداية.
هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجعاً رسمياً في سلطة CIO أو اختفاء دوره المؤسسي. غالباً ما تبقى الصلاحيات والاعتمادات والتمثيل التنفيذي كما هي. لكن التأثير الحقيقي يتراجع في مكان آخر: في اللحظة التي تُحدَّد فيها أولويات الذكاء الاصطناعي، وحين تُصاغ الافتراضات الأولى حول الاستخدامات الممكنة، والمخاطر المقبولة، والأنظمة التي ستُبنى فوقها المبادرات الجديدة.
في الشركات التي تتحرك بسرعة نحو تبني الذكاء الاصطناعي، تصبح الثقة عاملاً حاسماً. الرئيس التنفيذي يريد إجابة واضحة، ومباشرة، وقابلة للتنفيذ. وإذا كان مسؤول التقنية يقدّم عادة إجابات مشروطة ومحاطة بالتحفظات، فإن هذا الأسلوب قد يُقرأ على أنه حذر زائد لا على أنه نضج مهني. وهنا تبدأ المشكلة: الشخص الذي يبدو أكثر يقيناً، لا بالضرورة الأكثر دراية، هو من ينجح في الإمساك بخيط الحوار الأول.
كيف يبدأ تجاوز قادة التقنية
غالباً لا يحدث تجاوز CIO بشكل متعمد أو معلن. يبدأ الأمر بسؤال سريع من الرئيس التنفيذي حول فرصة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ثم يصل الجواب من طرف يبدو أكثر قرباً من التجربة الميدانية، مثل قائد بيانات أو متخصص نفّذ نموذجاً ناجحاً أو حتى مورد جاء بعرض واثق. ومع تكرار هذه الدورة، يصبح الرجوع إلى الشخص نفسه أسهل من إعادة فتح النقاش مع المسؤول التقني الأوسع صلاحية.
المشكلة هنا ليست في الكفاءة، بل في التموضع. فالكثير من قادة التقنية بنوا سمعتهم خلال سنوات على أساس التحذير من المخاطر: التكلفة، والتكامل، والامتثال، والحوكمة. هذا الأسلوب كان مناسباً في عالم كانت فيه الأولوية لتفادي الأخطاء التقنية. أما في الذكاء الاصطناعي، فإن نفس اللغة قد تُفهم باعتبارها إبطاءً للسباق، خصوصاً إذا كان السوق المحيط مليئاً بالوعود والضغوط ومقارنات المنافسين.
وهكذا تتشكل فجوة صامتة. المدير التنفيذي يواصل البحث عن الإجابة الأكثر ثقة، بينما يفقد CIO تدريجياً موقعه كأول من يُسأل. ومع الوقت، لا يعود السؤال هو من يمتلك صلاحية القرار، بل من يحدد الإطار الذي يُبنى داخله القرار من الأساس.
الكلفة التي تظهر لاحقاً
الضرر الناتج عن هذا التحول لا يظهر في البداية. قد تبدو المؤسسة وكأنها تتحرك بشكل طبيعي: المبادرات تُطلق، والموازنات تُعتمد، والفرق التنفيذية تتابع العمل. لكن الكلفة الحقيقية تتراكم في الخلفية، عندما تُتخذ قرارات استراتيجية دون مشاركة الشخص الذي سيتحمل في النهاية مسؤولية التنفيذ، والأمن، والاعتمادية، وتكامل الأنظمة.
النتيجة قد تكون نماذج ذكاء اصطناعي لا تتوافق مع جودة البيانات المتاحة، أو التزامات تجارية مع مزودين تقيد الشركة معمارياً على المدى الطويل، أو حلول تُنشر داخل وحدات الأعمال قبل أن تُحدد سياسات الحوكمة اللازمة لها. وفي هذه الحالة، يصبح CIO مسؤولاً عن تصحيح مسار لم يصنعه، بل صيغ بعيداً عنه.
هذا النمط يحمل خطراً إضافياً على المدى البعيد. فكل مشروع ينفذه قسم التقنية دون أن يكون شريكاً في تصميمه يعزز صورة عن دوره بوصفه منفذًا للتعليمات لا قائداً للاستراتيجية. ومع تراكم هذه الصورة داخل الفريق التنفيذي، يصبح من الأصعب على مسؤول التقنية استعادة موقعه كصاحب رؤية.
لماذا ينجح بعض القادة في البقاء داخل الحوار
القادة الذين حافظوا على حضورهم في نقاشات الذكاء الاصطناعي لم يكتفوا بتكرار التحذيرات. ما فعلوه أولاً هو الانتقال من خطاب الحذر إلى خطاب الرؤية. أي أنهم دخلوا إلى النقاش وهم يحملون موقفاً محدداً: أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق قيمة فعلية في هذا النشاط التجاري، وأين لا ينبغي المبالغة في توقعاته.
هذا التحول لا يعني التخلي عن الحذر، بل دمجه داخل التوصية نفسها. بدلاً من القول إن البيانات غير جاهزة وبالتالي يجب التوقف، يصبح الخطاب: هذا الاستخدام تحديداً غير مناسب الآن، لكن هناك استخداماً آخر يمكن تحقيقه بسرعة، مع خطوات موازية لتجهيز البنية المطلوبة للمرحلة التالية. بهذه الطريقة يبقى مسؤول التقنية شريكاً في دفع المشروع، لا مجرد صوت يشرح صعوباته.
كما أن بعض القادة أعادوا تنظيم علاقتهم مع الخبراء المتخصصين داخل المؤسسة. بدلاً من أن يظهر هؤلاء كبديل عن CIO، يتم ضمهم إلى الحوار تحت مظلة القيادة التقنية نفسها، بحيث تصل خبراتهم إلى الرئيس التنفيذي عبر إطار استراتيجي واحد. هذه المقاربة تجعل مسؤول التقنية منسقاً للحوار، لا ضحية لتعدد الأصوات حوله.
الرسالة الأوسع لقادة التقنية
المعضلة الأساسية اليوم ليست ما إذا كان مدير التقنية يعرف الذكاء الاصطناعي أم لا. في معظم الحالات، يعرفه جيداً. السؤال الحقيقي هو: من يحدد أولويات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة؟ ومن يقرر أين يُستثمر الوقت والمال والموارد؟ وإذا كانت الإجابة تأتي من خارج مكتب التقنية، فإن الدور التنفيذي يتآكل حتى لو بقي المنصب قائماً.
لذلك يصبح المطلوب من قادة التقنية أن يسبقوا الأسئلة لا أن يردوا عليها فقط. عليهم أن يذهبوا إلى الإدارة التنفيذية برؤية واضحة، لا بمجرد تحليل للمخاطر. عليهم أن يحددوا أين يكمن العائد الواقعي، وما الشروط اللازمة للنجاح، وأي استخدامات يمكن أن تبدأ الآن وأيها يحتاج إلى نضج أكبر في البيانات والأنظمة والحوكمة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد كافياً أن تكون الخبير الأكثر مسؤولية. الأرجح أن القيادة ستُمنح لمن يقدم الاتجاه أولاً، ثم يثبت قدرته على تنفيذه. وإذا لم يقد CIO هذا الحوار، فهناك احتمال كبير أن يواصل الآخرون الحديث باسمه، ثم يطلبون منه لاحقاً تنفيذ ما لم يشارك في رسمه.