بدأت شركة Sentante، المتخصصة في الروبوتات الطبية، مرحلة الاستخدام التجاري لمنصتها الروبوتية الوعائية المعتمدة بعلامة CE، في خطوة تنقلها من مرحلة الاعتماد التنظيمي إلى التشغيل السريري المدفوع. وانطلقت أولى الأسواق المستهدفة في جراحات الأوعية الدموية والأشعة التداخلية، وهما المجالان اللذان يشكلان يومياً جزءاً كبيراً من الإجراءات المعتمدة على القساطر والأسلاك التوجيهية داخل غرف القسطرة.
ويأتي هذا التوسع بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من حصول المنصة على الاعتماد الأوروبي في مايو 2026، ما يمنح الشركة بداية مبكرة في مسار التسويق داخل أوروبا. وتضع Sentante هذا الإطلاق ضمن رؤية أوسع تسميها الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، حيث لا يقتصر دور النظام على تنفيذ الحركة الروبوتية، بل يتحول كل إجراء يُنفذ عبره إلى مصدر بيانات يمكن استخدامه لاحقاً لتدريب أنظمة مساعدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
من الاعتماد إلى العمل السريري
تعمل المنصة الجديدة في بيئة القسطرة الوعائية، وهي بيئة تعتمد على المناورة الدقيقة بالقساطر والأسلاك داخل الأوعية الدموية لعلاج حالات متعددة مثل التدخلات الشريانية الطرفية، والإجراءات التداخلية الخاصة بالانصمام، وبعض تطبيقات الأورام التداخلية. ويتيح النظام للطبيب العمل من محطة تحكم خارج مجال الأشعة، بينما يتولى الجزء الروبوتي تحريك الأدوات داخل الأوعية.
وتقول الشركة إن تصميم المنصة يهدف إلى الاندماج في البنية الحالية لغرف القسطرة، من دون الحاجة إلى أدوات حصرية أو إعادة تجهيز كاملة للموقع السريري. ويعني ذلك أن المستشفيات يمكنها استخدام القساطر والأسلاك التوجيهية المتوافرة لديها بالفعل، مع الاستفادة من طبقة روبوتية تضيف مزيداً من الدقة والاستقرار إلى حركة الأدوات.
وتقوم فلسفة Sentante على أن النجاح التجاري في هذا القطاع لا يُقاس فقط بعدد الأجهزة المثبتة، بل بمدى قدرة النظام على إثبات جدواه ضمن الحالات اليومية الفعلية، حيث تُحتسب القيمة في تكرار الاستخدام السريري وفي البيانات الناتجة عنه.
ثلاث خصائص تقنية تحدد أداء النظام
تعتمد المنصة على ثلاث مزايا رئيسية تجعلها مختلفة عن بعض الأنظمة الروبوتية الأخرى في المجال الطبي. أولها الإحساس بالقوة والعزم عند دفع القسطرة، وهو ما يوفّر للطبيب تغذية راجعة لمسية أثناء التنقل داخل الأوعية. هذه الخاصية مهمة لأنها تمنح المشغل شعوراً أقرب لما يحدث عند الاستخدام اليدوي، مع الاستفادة في الوقت نفسه من ثبات المنصة الروبوتية.
الميزة الثانية هي واجهة تحاكي حركة اليد بنسبة 1:1، بحيث تنقل الحركات التي يقوم بها الطبيب إلى الروبوت بشكل مباشر، من دون إعادة تعلم معقدة. وتقول الشركة إن هذا الأسلوب يسمح للأطباء ذوي الخبرة بالعمل على النظام مع الحد الأدنى من التدريب الإضافي.
أما الميزة الثالثة فهي العمل عبر أدوات قياسية غير مملوكة للشركة، بما يعزز قابلية التوافق مع المخزون الحالي في المستشفيات. وبهذا، لا يطلب النظام من المؤسسة الصحية الاستثمار في منظومة مستهلكات مغلقة، بل يضيف طبقة أتمتة فوق المعدات المستخدمة أصلاً.
كل إجراء يصبح مادة تدريب للذكاء الاصطناعي
العنصر الأكثر لفتاً في خطة Sentante لا يتعلق فقط بالروبوت، بل بالبيانات التي ينتجها. فالمنصة تسجل في كل حالة سريرية قياسات القوة والعزم، وحركة الأدوات، ولقطات الأشعة المتزامنة زمنياً، ما يخلق سجلاً ميكانيكياً كاملاً لكيفية تنفيذ الإجراء.
هذا النوع من البيانات يختلف عن السجلات الطبية التقليدية، لأنه لا يكتفي بنتيجة الإجراء، بل يرصد تفاصيل الحركة نفسها لحظة بلحظة. وبذلك يصبح كل تدخل سريري بمثابة جلسة تدريب إضافية للنظام، من دون الحاجة إلى حملات جمع بيانات منفصلة أو توليد بيانات اصطناعية. ومع كل عملية جديدة، يتوسع المخزون المعلوماتي الذي يمكن لاحقاً استخدامه في تطوير أنظمة مساعدة أكثر ذكاءً.
وترى الشركة أن هناك تشابهاً كبيراً بين مؤشرات السلامة في مختلف الإجراءات الوعائية، ما يعني أن البيانات التي تُجمع في التدخلات الطرفية قد تساعد لاحقاً في تحسين قدرات النظام في مجالات أكثر حساسية. وبصورة تراكمية، يتحول الاستخدام السريري نفسه إلى حلقة تطوير مستمرة: المزيد من الإجراءات يعني بيانات أكثر، والبيانات الأفضل تعني نماذج أدق، والنماذج الأفضل تعني قدرة أعلى للنظام.
سجل سريري وتنظيمي يدعم الإطلاق
سبق هذا الإطلاق التجاري مسار من التقييمات السريرية والاختبارات التنظيمية. فقد أشارت الشركة إلى أن تجربتها الأولى على البشر، التي أُجريت في منطقة البلطيق، حققت نجاحاً تقنياً كاملاً، من دون مضاعفات مرتبطة بالجهاز، ومن دون تعريض الطاقم الطبي للإشعاع. كما شمل برنامج التحقق السريري تجربة نقل خثرة عن بُعد على نماذج بشرية محفوظة، إضافة إلى دراسة حيوانية أُجريت على 24 إجراءً عن بُعد عبر ثلاث قارات.
وعلى الصعيد التنظيمي، حصلت المنصة على علامة CE في مايو 2026، ما أتاح تسويقها داخل الأسواق الأوروبية. وفي الولايات المتحدة، تسير الشركة في مسار منفصل يركز على برنامج للسكتة الدماغية عن بُعد، ويحمل تصنيف Breakthrough Device Designation من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية منذ سبتمبر 2025.
كما دمجت Sentante منصة Jetson AGX من NVIDIA في الجيل الأحدث من روبوتها، وكانت من أوائل الشركات التي تطور على NVIDIA Isaac for Healthcare، وهي بيئة حوسبة تستهدف تطبيقات الروبوتات الطبية. وتعكس هذه الخطوة اعتماداً متزايداً على العتاد المتخصص لدعم عمليات معالجة البيانات والتحكم في الزمن الحقيقي.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل التدخل الوعائي
ترى Sentante أن الدخول الأول في الإجراءات الطرفية لا يقتصر على سوق واحد، بل يشكل قاعدة انتقال نحو مجالات أكثر تعقيداً، بما في ذلك التدخلات العصبية الوعائية. ويستند هذا الطرح إلى أن كثيراً من عناصر البنية التقنية والسريرية متشابهة: الأدوات نفسها تقريباً، والبنية التحتية نفسها في غرفة القسطرة، ومنطق أمان يعتمد على ردود الفعل اللمسية واتخاذ قرارات سريعة في حال الحاجة إلى انسحاب أو تصحيح للمسار.
وتأسست الشركة في 2017، وهي تخطط لمواصلة التوسع التجاري في أوروبا بالتوازي مع إدخال مزايا مساعدة قائمة على الذكاء الاصطناعي تدريجياً، كلما نما حجم البيانات الناتجة عن الاستخدام الفعلي. وفي قطاع يشهد حركة متسارعة نحو الأتمتة الطبية، يبدو أن المنافسة لم تعد تقتصر على بناء روبوتات قادرة على الحركة، بل على تطوير أنظمة تتعلم من الحركة نفسها.