الذكاء الاصطناعي والتقنية 04-Jun-2026 6 دقائق قراءة

تقرير Salesforce: وكلاء الذكاء الاصطناعي يعيدون تشكيل خدمة العملاء ويدفعون إلى رفع الاستثمار

يظهر تقرير State of Service 2026 أن وكلاء الذكاء الاصطناعي أصبحوا محوراً أساسياً في خدمة العملاء، مع تسارع الاستثمار في الأتمتة المحادثية والاعتماد على البيانات الموحدة لتحسين سرعة الاستجابة ودقة الحلول.

التحول من أدوات مساعدة إلى وكلاء مستقلين

يشير تقرير State of Service 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساندة لفِرق الدعم، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية لخدمة العملاء. فمع تصاعد ضغط الطلبات وتنوع القنوات الرقمية وتزايد توقعات المستهلكين، تتجه المؤسسات إلى الاعتماد على ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، القادرين على تنفيذ المهام والتفاعل مع العملاء ورفع مستوى الأتمتة في عمليات الدعم.

وبحسب التقرير، فإن نحو 79% من قادة الخدمة يرون أن الاستثمار في وكلاء الذكاء الاصطناعي بات ضرورياً لمواكبة متطلبات العمل. هذه النتيجة تعكس تغيراً واضحاً في نظرة الشركات إلى الذكاء الاصطناعي، إذ انتقلت من مرحلة التجربة المحدودة إلى مرحلة التبني العملي في بيئات التشغيل اليومية.

التقرير استند إلى استطلاع شمل 6500 متخصص في خدمة العملاء في 40 دولة عبر خمس قارات، وهو ما يمنحه وزناً واسعاً في قراءة اتجاهات السوق العالمية في هذا المجال.

ضغوط متزايدة على فرق الدعم

يواجه العاملون في خدمة العملاء مزيجاً من التحديات التي تجعل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أكثر جاذبية. فالمؤسسات تعمل في بيئة ترتفع فيها توقعات العملاء بشأن السرعة والتخصيص والدعم المستمر على مدار الساعة، بينما تظل الموارد البشرية محدودة في كثير من الأحيان. ويقول التقرير إن نسبة كبيرة من الموظفين يقضون وقتاً ملحوظاً في أعمال إدارية داخلية لا ترتبط مباشرة بالتواصل مع العملاء.

كما تظهر البيانات أن 82% من العاملين في الخدمة يعتقدون أن توقعات العملاء أصبحت أعلى من السابق، في حين يخصص كثيرون أقل من نصف وقتهم للتفاعل المباشر مع العملاء بسبب المهام التنظيمية والمتابعة الداخلية. هذه الفجوة بين الطلب والقدرة التنفيذية تدفع الشركات إلى البحث عن حلول تقلص الزمن الضائع وتُبقي فرق الدعم مركزة على الحالات الأكثر تعقيداً.

ومن زاوية الأعمال، يضيف التقرير أن 43% من المستهلكين قد يترددون في العودة للشراء بعد تجربة خدمة سيئة، ما يجعل جودة الدعم عاملاً مؤثراً في الاحتفاظ بالعملاء وليس مجرد وظيفة تشغيلية ثانوية.

البيانات الموحدة تعزز نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي

أحد أهم الدروس التي يبرزها التقرير هو أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على النموذج المستخدم، بل أيضاً على جودة البنية التحتية للبيانات. فالشركات التي نجحت في توحيد بيانات قنوات الخدمة ضمن منصة واحدة كانت أكثر احتمالاً بمقدار 1.4 مرة لتقييم تطبيقات الذكاء الاصطناعي لديها على أنها ناجحة جداً مقارنة بالشركات التي ما زالت تعمل عبر أنظمة متفرقة.

هذا الفارق يوضح أن الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء يحتاج إلى رؤية كاملة لسجل العميل وسلوكياته وتفاعلاته السابقة كي يقدّم إجابات دقيقة وملائمة. وعندما تكون البيانات مجزأة بين أنظمة متعددة، تصبح قدرة الوكيل الذكي على الفهم والتوصية واتخاذ الخطوة التالية أضعف بكثير.

كما أن قادة الخدمة أشاروا إلى أن المخاوف الأمنية تمثل العائق الأكبر أمام التوسع في الذكاء الاصطناعي، إذ قال أكثر من نصفهم إن هذه المخاوف أبطأت مشاريعهم أو حدّت من نطاقها. ويضيف التقرير أن 75% من قادة أمن المعلومات يعتقدون أن الهجمات السيبرانية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ستتجاوز الدفاعات التقليدية قريباً، ما يعكس أهمية الضبط الأمني بالتوازي مع التوسع التقني.

الوكلاء الذكيون يغيرون شكل التفاعل مع العملاء

التقرير يوضح أن المؤسسات لا تعتمد اليوم على نوع واحد من الذكاء الاصطناعي، بل تجمع بين الذكاء التنبؤي والذكاء التوليدي والذكاء الوكالي، وهي طبقات متدرجة من القدرات. نحو 69% من المتخصصين قالوا إن مؤسساتهم تستخدم بالفعل شكلاً واحداً على الأقل من هذه التقنيات، بينما أشار 39% إلى استخدام الذكاء الوكالي تحديداً.

وتبرز هنا أهمية الانتقال من مجرد اقتراح الردود إلى تنفيذ المهام فعلياً. فالوكيل الذكي يمكنه تصنيف الطلبات، تقديم معلومات دقيقة، متابعة الحالة، والتدخل عبر قنوات متعددة دون الحاجة إلى إعادة شرح المشكلة في كل مرة. وتذهب المؤسسات إلى هذا النمط لأنها ترى فيه وسيلة لخفض وقت الحل وتحسين التجربة وزيادة مستوى التخصيص.

ويذكر التقرير أن الفرق التي تستخدم وكلاء ذكاء اصطناعي تتوقع في المتوسط انخفاضاً يقارب 20% في تكاليف الخدمة و20% في زمن حل الحالات. كما أن حلول الذكاء الاصطناعي هذه ساعدت في تقليل وقت الانتظار وتحسين نسبة تحويل الحالات بعيداً عن الموظفين البشريين إلى الأنظمة المؤتمتة.

الذكاء المحادثي ينتقل إلى الصوت والقنوات المتعددة

إلى جانب النصوص والدردشة، يتقدم الذكاء المحادثي نحو قنوات أكثر تعقيداً مثل الصوت والتفاعل متعدد الوسائط. هذا التطور يسمح للأنظمة بمعالجة مزيج من المدخلات في تجربة واحدة، بدلاً من التعامل مع كل قناة على حدة. ووفق التقرير، فإن 36% من المؤسسات التي تستخدم الذكاء الصوتي والنصي قامت بدمج القناتين في منظومة واحدة.

وتشير النتائج أيضاً إلى أن الانتقال من الذكاء الاصطناعي إلى الموظف البشري أصبح أكثر سلاسة عندما تُبنى الأنظمة على بيانات جيدة. فالتقرير يذكر أن 89% من السياق يمكن الحفاظ عليه عند تحويل المحادثة من المساعد الصوتي إلى ممثل خدمة بشري، وهو ما يقلل من تكرار المعلومات ويزيد من رضا العميل.

لكن التحدي لا يزال قائماً في فهم المشاعر والنبرة والسياق غير المباشر. فبينما يرى 88% من الشركات أنها جيدة أو ممتازة في الحفاظ على صوت علامة تجارية موحد، لا تزال نسبة من المؤسسات تعترف بأن أنظمتها لم تصل بعد إلى مستوى متقدم في فهم المشاعر البشرية والتفاعل معها بدقة.

تأثير مباشر في الميدان والعمليات اليومية

لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على مراكز الاتصال الرقمية، بل يمتد إلى الخدمة الميدانية أيضاً. فهذه الفرق تواجه عادةً وقتاً كبيراً يضيع في المهام الإدارية، وجدولة المواعيد، وانتظار قطع الغيار، ومتابعة الحالات بين الأقسام المختلفة. ووفق التقرير، قال 37% من الفنيين إن الأعمال الإدارية تمنعهم من أداء عملهم الأساسي كما ينبغي.

ويشير التقرير إلى أن الفنيين يقضون في المتوسط 7.27 ساعات أسبوعياً في أعمال منخفضة القيمة، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي تولي نحو 35% من هذه المهام، ما يحرر قرابة ساعتين أسبوعياً للفني الواحد. كما أن 88% من المؤسسات قالت إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن استخدام الفنيين بدرجة متوسطة على الأقل، فيما أفاد 85% بأن إنتاجية الموزعين تحسنت بالشكل نفسه.

هذه الأرقام تفسر لماذا يتوقع 85% من قادة الخدمة الميدانية أن ترتفع استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل. فالهدف لم يعد التجريب، بل رفع الكفاءة وتقليل الهدر وتحسين الاستجابة في وقت صار فيه العميل يقارن الخدمة الرقمية بنفس المعايير التي يقيس بها جودة المنتج نفسه.

ماذا يعني ذلك للشركات خلال المرحلة المقبلة

المعطيات الواردة في التقرير توضح أن الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء دخل مرحلة جديدة تقوم على الدمج بين الأتمتة والبيانات والتجربة البشرية. الشركات التي تنجح في هذا التحول لن تكون فقط تلك التي تشتري أدوات جديدة، بل التي تعيد تنظيم بياناتها وعملياتها وأدوار فرقها بحيث تعمل جميعها ضمن منظومة واحدة.

كما أن المستقبل القريب يبدو مرتبطاً أكثر بالذكاء الوكالي القادر على تنفيذ المهام، لا مجرد الرد عليها. ومع استمرار الضغوط التشغيلية وارتفاع توقعات المستهلكين، ستصبح القدرة على بناء تفاعل سريع ودقيق ومتماسك عبر القنوات المختلفة معياراً تنافسياً أساسياً في قطاع الخدمة.

وبينما لا تزال التحديات الأمنية والتنظيمية قائمة، فإن الاتجاه العام في السوق واضح: وكلاء الذكاء الاصطناعي ينتقلون من التجربة إلى التطبيق، ومن الدعم المحدود إلى دور محوري في تشكيل تجربة العميل بالكامل.