تحاول أمازون نقل خبرتها في التسوق المدعوم بالذكاء الاصطناعي من متجرها الخاص إلى شبكة أوسع من التجار، عبر خدمة جديدة على منصة AWS تسمح للعلامات التجارية ببناء مساعدين محادثيين للتسوق داخل مواقعها وتطبيقاتها. وبين أول المستخدمين لهذه التقنية توجد علامة Kate Spade التابعة لشركة Tapestry، ما يمنح الخطوة بعداً تجارياً واضحاً في سوق التجزئة الرقمية.
الخدمة الجديدة تأتي في صيغة موجهة للشركات التي تريد دمج الذكاء الاصطناعي في رحلة الشراء من دون إعادة تطوير البنية من الصفر. ووفقاً لأمازون، يمكن ضبط كل مساعد بحيث يتوافق مع فهرس المنتجات، ونوع العملاء، وطريقة عرض الموقع، وحتى نبرة العلامة التجارية نفسها. بذلك لا تقدم الشركة منتجاً واحداً جاهزاً للجميع، بل إطاراً تقنياً قابلاً للتخصيص وفق احتياجات كل تاجر.
الأهم أن أمازون لا تسوّق هذه الخدمة بوصفها فكرة تجريبية، بل باعتبارها امتداداً لتجربة داخلية ناضجة. فالتقنية استندت إلى ما بُني أصلاً داخل متجر أمازون الإلكتروني، ثم جرى تحويلها إلى حزمة يمكن للتجار الآخرين استخدامها، مع الاستفادة من الدروس المستخلصة من مساعدات سابقة موجهة للتسوق مثل Alexa for Shopping.
من أداة داخلية إلى منتج سحابي للتجار
التحول من استخدام داخلي إلى خدمة سحابية يعكس طريقة عمل الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي خلال 2026: تبدأ من مشكلة تشغيلية محددة، ثم تُبنى حولها طبقة خدمات يمكن بيعها أو ترخيصها. في حالة أمازون، كانت الفكرة الأساسية هي تحسين البحث واكتشاف المنتجات وتحويل الاستفسارات غير الدقيقة إلى محادثة طبيعية تدفع المستخدم نحو قرار الشراء.
أمازون تقول إن مساعدها استُخدم من قبل أكثر من 300 مليون عميل خلال العام الماضي، وإنه ساهم في تحقيق ما يقرب من 12 مليار دولار من المبيعات الإضافية خلال الفترة نفسها. هذه الأرقام تساعد في تفسير سبب الرغبة في فتح التقنية أمام السوق الأوسع: الشركة ترى أن التحويل من البحث النصي التقليدي إلى التفاعل المحادثي يحمل قيمة مالية واضحة، وأن نفس الفائدة قد تتكرر لدى تجار آخرين إذا أتيحت لهم أدوات مناسبة.
الشركة تشير أيضاً إلى أن بناء مثل هذا المساعد من البداية قد يستغرق سنوات، بينما يتيح العرض الجديد إطلاقه خلال أسابيع. هذا التباين الزمني مهم في قطاع التجزئة، حيث تتغير سلوكيات المستهلك بسرعة، وتصبح سرعة التجربة شرطاً للمنافسة بقدر ما هي جودة المنتج نفسه.
Kate Spade تختبر مساعد هدايا محادثياً
من بين أول التطبيقات العملية لهذه الخدمة، قدمت Kate Spade مساعداً يحمل اسم Gift Concierge، يركز على مساعدة المتسوقين في العثور على الهدايا المناسبة عبر حوار مباشر. الفكرة هنا لا تقتصر على اقتراح منتج، بل على تقليل التردد الذي يرافق شراء الهدايا، وهو سلوك غالباً ما يكون مرتبطاً بالحاجة إلى وقت أطول ومعلومات أكثر وسياق شخصي أدق.
أمازون تستند في تبريرها لهذا التوجه إلى بيانات داخلية تشير إلى أن 53% من المتسوقين يشعرون بالتوتر أثناء شراء الهدايا. لذلك فإن المساعد الجديد لا يحاول فقط تسريع الشراء، بل أيضاً تبسيط تجربة تُعد بطبيعتها معقدة: اختيار مناسبة، وفئة عمرية، وميزانية، وطابع شخصي مناسب للهدية. وكلما كانت الإجابات أكثر حوارية وأكثر ارتباطاً بسياق العميل، زادت فرص الوصول إلى توصية قابلة للتنفيذ.
بحسب المعلومات المتاحة، اختبرت Tapestry الأداة لمدة تقارب شهرين ونصف قبل إتاحتها للمستخدمين. هذه المدة القصيرة نسبياً توحي بأن الشركات باتت أكثر جرأة في إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة الأمامية للتسوق، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تعتمد على فترات اختبار عملية قبل التوسع الكامل.
البنية التقنية: Bedrock وAgentCore وOpenSearch
خلف الواجهة الحوارية، تعتمد الخدمة على ثلاث طبقات أساسية من AWS. الأولى هي Amazon Bedrock، وهي المنصة التي تتيح بناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. والثانية AgentCore، والمسؤولة عن تشغيل الوكلاء الذكيين وإدارة أدوارهم داخل الجلسة. أما OpenSearch فيوفر طبقة البحث والاسترجاع، ما يسمح للمساعد بالوصول إلى المنتجات والمحتوى المناسب بسرعة أكبر.
هذا التكوين يوضح أن الخدمة ليست مجرد روبوت دردشة يجيب عن الأسئلة، بل منظومة تجمع بين الاستدلال اللغوي، والبحث عن البيانات، وتنفيذ المهام ضمن رحلة الشراء. عملياً، هذا يعني أن المساعد يمكنه فهم طلبات مثل المناسبة أو نوع الهدية أو تفضيلات العميل، ثم الاستناد إلى بيانات المنتج لإنتاج اقتراحات أقرب إلى الواقع.
وتقول أمازون إن جلسات التسوق المحادثية تحقق معدلات تحويل أعلى بـ 3.5 مرة من البحث التقليدي بالكلمات المفتاحية. وإذا صحت هذه النسبة على نطاق واسع، فهي تفسر اهتمام قطاع التجزئة بهذا النوع من الأدوات، لأن الفرق بين البحث والشراء لا يتحدد فقط في الوصول إلى المنتج، بل في القدرة على توجيه العميل خلال مرحلة القرار نفسها.
توسع استراتيجي في سوق التجزئة المدعوم بالذكاء الاصطناعي
تأتي هذه الخطوة في سياق تنافسي أوسع داخل التجارة الإلكترونية. فالشركات لم تعد تكتفي بتحسين نتائج البحث أو تصفية المنتجات، بل تسعى إلى بناء تجربة شراء شبيهة بالمحادثة مع موظف مبيعات ذكي. وفي هذا الإطار، تحاول أمازون تحويل ميزتها الداخلية إلى معيار جاهز للتبني، مستفيدة من خبرتها في البنية السحابية والذكاء الاصطناعي والتوصيات.
كما أن إطلاق الخدمة بعد طرح Alexa for Shopping في الولايات المتحدة خلال مايو يبيّن وجود مسار تطوير متدرج. فالمنتجات الاستهلاكية الداخلية تمهد عادةً للمنتجات المؤسسية، ثم تعاد صياغتها بما يناسب الشركات الأخرى. وهنا يظهر منطق واضح: بناء أدوات على أرضية مجربة، ثم تحويلها إلى مكونات سحابية قابلة للتشغيل السريع لدى تجار التجزئة.
من منظور السوق، قد تكون الرسالة الأوسع أن الذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية ينتقل من مرحلة التفاعل التجريبي إلى مرحلة البنية التحتية التشغيلية. فبدلاً من أن يكون المساعد الذكي إضافة تسويقية، يتحول إلى طبقة في تجربة العميل نفسها، من الاستكشاف إلى التوصية إلى الشراء.
ومع دخول علامات مثل Kate Spade إلى هذا المسار، يصبح واضحاً أن المنافسة المقبلة لن تقتصر على جودة المنتجات أو السعر أو الشحن، بل ستشمل أيضاً جودة التفاعل الذكي الذي يسبق الشراء. وفي هذا السياق، تبدو أمازون عازمة على لعب دور المزود الأساسي للأدوات التي تجعل هذا التحول ممكناً للتجار الآخرين.