تتجه كثير من الشركات إلى الاعتقاد بأن بناء أنظمة ذكاء اصطناعي مؤسسية على مستوى المؤسسات الكبرى يتطلب فرقًا ضخمة وطبقات متعددة من الإدارة والتنسيق. لكن تجربة عملية حديثة في تطوير منصة برمجية موجهة للمشتريات المؤسسية تقدم صورة مختلفة: فريق صغير، مستقل، ومنظم بدقة قد ينجز أسرع بكثير من منظمة تقنية كبيرة.
القصة هنا لا تتعلق فقط بعدد المهندسين، بل بكيفية توزيع المسؤوليات، وطريقة اتخاذ القرار، ومدى قرب الفريق من المنتج والبنية التحتية والعمليات اليومية. في هذه الحالة، جرى نقل التطوير من نموذج خارجي موزع خارج أوروبا إلى فريق داخلي كامل، مع إعادة بناء الوظيفة التقنية من الصفر تقريبًا داخل الشركة، بما يشمل الهندسة وإدارة المنتج والبنية التحتية وآلية التسليم.
النتيجة كانت تجربة تشغيلية لافتة: إصدار المنصة الجاهز للإنتاج خرج خلال أقل من 12 شهرًا من تعيين أول مهندس داخلي، رغم أن التوقعات الأولية في بيئات مشابهة كانت تشير عادة إلى ضرورة توظيف ما يقارب 50 مهندسًا أو أكثر. الأهم أن هذا الإنجاز تحقق في مرحلة لم تكن فيها أدوات المساعدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد نضجت بالشكل الحالي، ما يعني أن العامل الحاسم لم يكن الأتمتة وحدها، بل النموذج التشغيلي نفسه.
لماذا لا تتحول الفرق التقنية الكبيرة دائمًا إلى أداء أفضل؟
أحد أكثر الافتراضات شيوعًا في مشاريع التقنية المؤسسية هو أن زيادة عدد الموظفين تعني بالضرورة تسريع التنفيذ. غير أن الواقع كثيرًا ما يكون معاكسًا. فكلما كبر الفريق، زادت نقاط الاتصال بين أفراده، وارتفعت الحاجة إلى التنسيق والاجتماعات والمراجعات، ما يخلق بطئًا إداريًا يلتهم جزءًا من الطاقة الإنتاجية.
هذه الظاهرة ليست جديدة، وقد طُرحت منذ عقود في أبحاث إدارة البرمجيات. الفكرة الأساسية بسيطة: عندما يرتفع عدد المهندسين، لا يرتفع فقط حجم العمل المنجز، بل يرتفع أيضًا عدد المسارات الممكنة للتواصل بين الأفراد، وهو ما يزيد التعقيد بسرعة أكبر من نمو الفريق نفسه. وعند نقطة معينة، تصبح مهمة التنسيق أصعب من مهمة البناء.
في هذا النموذج، تم تجنب ذلك الفخ عبر الإبقاء على الفريق صغيرًا نسبيًا، وبناء وحدات عمل مستقلة قادرة على اتخاذ القرار والتنفيذ دون انتظار سلاسل اعتماد طويلة. كما جرى توظيف مهندسين يمتلكون مرونة كافية للعمل عبر أكثر من مجال، بدل حصر كل فرد في تخصص ضيق جدًا. هذا النمط أصبح أكثر شيوعًا في فرق المنصات والأنظمة الحديثة، حيث تتقاطع الهندسة مع البنية التحتية وتجربة المستخدم وتحليل البيانات.
التحول التنظيمي لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل كان جزءًا أساسيًا من استراتيجية التوسع. فبدل توسيع عدد الموظفين لمجاراة التعقيد، جرى تقليل التعقيد نفسه عبر تصميم الهيكل التنظيمي ليكون أقرب إلى المنتج وأقل اعتمادًا على الحلقات الوسطية.
التسليم المستمر بدل الدورات الصارمة
قرار آخر لعب دورًا مهمًا في رفع سرعة التطوير كان التخلي عن Scrum التقليدي. رغم انتشار هذا الإطار في الشركات الكبيرة، إلا أن العمل على أنظمة ذكاء اصطناعي مؤسسية متغيرة باستمرار لا يناسبه دومًا التقسيم الصارم إلى سباقات قصيرة وجدول مهام ثابت. فهذه الأنظمة تتغير بانتظام مع تغيّر البيانات، وتحديث النماذج، وتبدل متطلبات العملاء.
بدلًا من ذلك، تم اعتماد Kanban والتسليم المستمر. هذا التحول جعل الخطة أكثر مرونة، وأصبح الفريق يطلق الميزات عندما تكون جاهزة للاستخدام فعلًا، لا عندما يحين موعد دورة ربع سنوية. كما جرى تقليص حجم العمل الجاري، وتحسين سرعة التغذية الراجعة، والحد من تبديل المهام بين أكثر من سياق في الوقت نفسه.
بحسب هذا النمط التشغيلي، أدى التخلص من طقوس Scrum وحدها إلى استعادة نحو 10% من القدرة الهندسية التي كانت تضيع في المتابعة والإجراءات. كما انخفض زمن تنفيذ التغييرات المتوسطة من أيام أو أسابيع إلى ساعات، واستقر إيقاع الإصدارات عند معدل شهري تقريبًا، مع قدرة أعلى على تمرير الإصلاحات العاجلة والتحسينات الصغيرة بسرعة أكبر.
هذه النقلة كانت مهمة لأن بيئات الذكاء الاصطناعي المؤسسية لا تعمل مثل المنتجات التقليدية ذات الإصدارات الثابتة. فهنا، قد تتغير خطوط البيانات أو تتطلب النماذج إعادة تدريب، ما يجعل المرونة التشغيلية أكثر قيمة من الانضباط الشكلي.
التواصل المنضبط يختصر الوقت الضائع
إلى جانب الهيكل التنظيمي وطريقة التسليم، كان لأسلوب التواصل الداخلي أثر مباشر على الإنتاجية. فقد تم تجميع معظم الاجتماعات في الفترة الصباحية، مع حصر الحضور في الأشخاص المرتبطين مباشرة بموضوع القرار. أما المعلومات التمهيدية أو التوضيحية، فكان يتم توثيقها بشكل غير متزامن عبر قنوات محادثة منظمة أو صفحات داخلية في قاعدة المعرفة.
هذا الأسلوب خفف الاعتماد على البريد الإلكتروني وعلى الاجتماعات غير الضرورية. وفي بيئة تعمل عن بُعد بشكل أساسي، جرى تعويض ذلك بمجموعة ورش عمل حضورية عدة مرات سنويًا في مدن أوروبية مختلفة. الهدف لم يكن تكثيف الاجتماعات، بل الحفاظ على التوافق الاستراتيجي دون تعطيل تدفق العمل اليومي.
النتيجة المجمعة لهذه الإجراءات كانت واضحة: تحسين عام في الإنتاجية تراوح بين 20% و30% وفق التقديرات الداخلية. وفي بيئات الهندسة العالية الكثافة، لا تأتي هذه المكاسب من خطوة واحدة كبيرة، بل من إزالة سلسلة طويلة من الاحتكاكات الصغيرة التي تتراكم يوميًا.
لاحقًا، أضيفت أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة إلى دورة العمل، مثل دعم كتابة الشيفرة ومراجعتها وتحليل المهام وتصحيح الأخطاء. ومع نضج هذه الأدوات، ارتفعت الفائدة التشغيلية مرة أخرى، مع تقدير داخلي بأنها تضيف تحسنًا إضافيًا في الإنتاجية يتراوح بين 20% و25% عند استخدامها داخل عملية هندسية منضبطة أصلًا.
لكن التجربة تشير أيضًا إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست حلًا سحريًا بحد ذاتها. فإذا كانت المسؤوليات غير واضحة أو عملية اتخاذ القرار مشوشة، فإن هذه الأدوات قد تزيد الفوضى بدلًا من تقليلها. لذلك، تبقى بنية العمل الإنساني والتنظيمي هي الأساس، ثم تأتي الأدوات لتعزيزها لا لتعويض غيابها.
الفرق الصغيرة قادرة على تحقيق متطلبات الحوكمة والامتثال
من الحجج المتكررة ضد الفرق الصغيرة أنها قد تعجز عن تلبية متطلبات الامتثال في المؤسسات الكبرى، خاصة في قطاعات مثل البرمجيات المؤسسية والذكاء الاصطناعي. لكن هذا النموذج يقدم دليلًا معاكسًا: الهيكل الصغير لا يمنع الانضباط، بل قد يسهل تحقيقه إذا كانت المسؤوليات محددة بوضوح.
ففي فترة لا تتجاوز تسعة أشهر، حصلت المنصة على شهادة ISO 27001 دون الاستعانة بخبراء خارجيين. كما جرى مواءمة إجراءات الحوكمة مع متطلبات قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، وهو ما يدعم قدرة الشركة على العمل في سوق يتزايد فيه التركيز على الشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر.
الأهم أن هذا لم يتطلب إنشاء أقسام حوكمة كبيرة أو طبقات إضافية من البيروقراطية. بل اعتمد على قرب صانعي القرار من المنظومة نفسها، وعلى وضوح من يملك المسؤولية عن البناء والتشغيل والتحديث. عندما يكون الفريق نفسه مسؤولًا عن الأثر النهائي، تصبح قرارات الحوكمة أسرع وأكثر واقعية.
كما لعبت ثقافة تحديد الأولويات دورًا مهمًا. فبدل التعامل مع كل مهمة باعتبارها طارئة، جرى استخدام أدوات ترتيب مثل مصفوفة الأهمية والاستعجال لتمييز ما يحتاج تنفيذًا فوريًا عما يجب تأجيله لصالح أهداف استراتيجية أكبر. وفي بيئات النمو السريع، هذا النوع من الانضباط قد يكون الفارق بين تقدم مستقر وفوضى تشغيلية.
ما الذي تعنيه هذه التجربة لفرق الذكاء الاصطناعي؟
أحد أبرز الدروس هنا أن الحجم ليس المؤشر الوحيد على الجاهزية المؤسسية. فالشركات التي تبني أنظمة ذكاء اصطناعي معقدة تحتاج أولًا إلى نموذج تشغيلي واضح، وسرعة قرار، وثقافة ملكية حقيقية. أما التوسع العددي، فقد يأتي لاحقًا إذا اقتضت الحاجة، لا كشرط مسبق للإنجاز.
تجربة الفريق الصغير أثبتت كذلك أن تقليل المسافة بين الهندسة والمنتج والبنية التحتية يمكن أن يرفع الكفاءة بشكل كبير. وعندما يشارك المهندسون في فهم المتطلبات التشغيلية والحوكمة والأمن منذ البداية، تصبح القرارات المعمارية أكثر نضجًا، وتقل الأخطاء المكلفة في المراحل اللاحقة.
الأهم ربما هو أن الاحتفاظ بفريق صغير لا يعني الاكتفاء بالحد الأدنى، بل يعني اختيار أشخاص ذوي خبرة عالية قادرين على تحمّل المسؤولية عبر أكثر من محور. وهذا ما يجعل النموذج قابلًا للتوسع من دون الوقوع في فخ التضخم التنظيمي.
في نهاية المطاف، ما تكشفه هذه التجربة هو أن بناء أنظمة ذكاء اصطناعي مؤسسية ناجحة لا يبدأ دائمًا بتوسيع الفريق، بل قد يبدأ بتضييقه بذكاء. وعندما تُصمم العملية بشكل جيد، يمكن لفريق صغير جدًا أن ينجز ما يبدو على الورق مهمة فريق أكبر بكثير.