مع توسع الشركات في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام مثل البرمجة، وأتمتة سير العمل، وخدمة العملاء، وإدارة العمليات الداخلية، برزت مشكلة جديدة لا تتعامل معها أنظمة الأمن والهوية التقليدية بالشكل الكافي: كيف يمكن ضبط كيانات برمجية مستقلة تعمل باسم الموظفين وتصل إلى أنظمة حساسة داخل المؤسسة؟
هذا السؤال أصبح محوراً رئيسياً في الجيل الجديد من البنية التحتية المؤسسية للذكاء الاصطناعي. فالوكلاء لا يكتفون بتوليد النصوص أو اقتراح الإجابات، بل يدخلون إلى التطبيقات وقواعد البيانات والمنصات التشغيلية، ما يفرض تحديات معقدة تتعلق بمنح الصلاحيات ومراقبة السلوك وتحديد المسؤولية عند حدوث خطأ أو استخدام غير مصرح به.
في هذا السياق، أعلنت شركة ويلو حصولها على تمويل أولي بقيمة 7 ملايين دولار، في جولة قادتها Hetz Ventures، مع دعم مبكر من شخصيات بارزة مرتبطة بشركة Wix، بينها المؤسس والرئيس التنفيذي أفيشاي أبرهامي والرئيس نير زوهار. وتعمل الشركة على تطوير منصة لإدارة الهوية والتحكم في الوصول مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
فجوة أمنية ظهرت مع تسارع تبني الوكلاء
تبني المؤسسات لوكلاء الذكاء الاصطناعي يزداد بسرعة، خصوصاً في بيئات الأعمال التي تبحث عن طرق لرفع الإنتاجية وتقليل العمل اليدوي. لكن هذه السرعة تفوق في كثير من الحالات قدرة الأنظمة الداخلية على المتابعة والتدقيق. فالأدوات الأمنية المصممة للموظفين أو التطبيقات التقليدية لا تمنح رؤية كافية لسلوك أنظمة تتخذ قرارات وتنفذ أوامر بشكل شبه مستقل.
المشكلة لا تتعلق فقط بمنح حق الوصول، بل أيضاً بحدود هذا الوصول في الوقت الفعلي. الوكيل الذي يحتاج إلى قراءة بيانات من نظام داخلي لا ينبغي أن يحصل تلقائياً على صلاحيات أوسع من المهمة المطلوبة. ومع غياب هذا الضبط الدقيق، قد تنشأ مخاطر تشمل كشف بيانات حساسة، أو تنفيذ عمليات غير مقصودة، أو ظهور استخدامات غير مرئية لما يطلق عليه البعض الذكاء الاصطناعي الظلي.
وتشير ويلو إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل تلاحظ حوادث مرتبطة بسلوك الوكلاء، وهو ما يعكس انتقال المشكلة من كونها احتمالاً نظرياً إلى تحدٍ تشغيلي يحتاج إلى أدوات متخصصة.
منصة هوية وصلاحيات مخصصة للأنظمة المستقلة
أسس ويلو مجموعة من المهندسين السابقين في Wix، وهم إيال بن عزرا وشاليف شاليت وإيدان تشريت. وتقدم الشركة نفسها باعتبارها طبقة هوية ووصول مصممة خصيصاً لوكلاء الذكاء الاصطناعي، وليس بديلاً عن النماذج اللغوية أو أطر العمل الخاصة بالوكلاء.
فكرة المنصة تقوم على الجلوس بين الوكيل والأنظمة المؤسسية، بحيث تمنح الشركة تحكماً مركزياً في كيفية تفاعل الوكلاء مع الموارد الداخلية. وتقول ويلو إن منصتها تدعم ربط وكلاء مبنيين على Claude وChatGPT وGemini وCodex وCursor وn8n، إضافة إلى الأطر المخصصة، مع فرض سياسات حوكمة وأذونات تشغيلية ومسارات تدقيق وضوابط أمنية.
هذا التوجه يمنح المؤسسات مرونة أكبر، لأنه لا يحصر الحوكمة في منظومة واحدة من نماذج الذكاء الاصطناعي، بل يضع طبقة موحدة يمكن تشغيلها عبر عدة بيئات وأدوات مختلفة. ومع تزايد اعتماد الشركات على أكثر من نموذج أو إطار واحد في الوقت نفسه، يصبح وجود طبقة تنسيق مركزية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
التركيز على الحوكمة أثناء التنفيذ
أحد العناصر التي تميز مقاربة ويلو هو التركيز على الحوكمة أثناء التشغيل، وليس فقط عند الإعداد الأولي. فبدلاً من منح صلاحيات ثابتة وطويلة الأمد، تقوم المنصة بإنشاء الوصول بصورة ديناميكية بناءً على المهمة الجارية. هذا يعني أن الوكيل يحصل على ما يحتاجه فقط، وفي اللحظة التي يحتاجها فيها، ثم يتم تضييق نطاق الوصول بعد ذلك.
هذا النمط يحد من مخاطر التوسع غير المبرر في الصلاحيات، ويمنح فرق الأمن والامتثال رؤية أوضح لمسار كل عملية. كما يساعد المؤسسات على اكتشاف حالات الاستخدام غير المعتمدة، وضبط الوكلاء الذين تم تشغيلهم خارج القنوات الرسمية، وهي مشكلة باتت تكتسب أهمية مع انتشار ما يسمى بالاعتماد غير المرئي على أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل.
وتبرز أهمية هذه المقاربة لأن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يقتصر على توليد المحتوى أو دعم الموظفين بالمعلومات، بل بات يشارك في قرارات تشغيلية وتنفيذية حقيقية. لذلك، فإن مراقبة ما يفعله الوكيل في لحظة التنفيذ أصبحت ضرورة أساسية وليست خياراً إضافياً.
اختبار مبكر داخل Wix قبل الخروج إلى السوق
من العوامل التي عززت موقع الشركة لدى المستثمرين أن تقنيتها جرى اختبارها داخل بيئة مؤسسية كبيرة قبل طرحها تجارياً. وتقول ويلو إن منصتها تعمل بالفعل داخل Wix، حيث تخدم أكثر من 5000 موظف، وتدير مئات الأدوات الداخلية، وتتعامل مع حجم كبير من التفاعلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً.
هذا الاستخدام العملي داخل مؤسسة حقيقية يمنح الشركة ميزة مهمة، لأنه يكشف التحديات الفعلية التي تواجهها الشركات عند تشغيل الوكلاء على نطاق واسع. فكثير من الفرق التقنية تبدأ من النموذج أو الفكرة، لكنها لا تمتلك بيانات كافية عن كيفية تصرف الوكلاء في بيئة الإنتاج، أو عن شكل الاعتراضات الأمنية التي تظهر عند التوسع.
بالنسبة لويلو، فإن هذه الخبرة الداخلية ليست مجرد حالة نجاح أولية، بل دليل على أن الحاجة إلى حوكمة الوكلاء لم تعد نظرية. فالمؤسسات التي توزع المهام على أنظمة مستقلة تحتاج إلى طبقة مراقبة تتعامل مع التعقيد التشغيلي، لا مع استخدام واحد معزول.
سوق ناشئ لطبقات الحوكمة في الذكاء الاصطناعي
تطور ويلو يعكس اتجاهاً أوسع في سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي، حيث تتزايد الحاجة إلى أدوات لا تبني النماذج بحد ذاتها، بل تنظّم استخدامها وتؤمن حدودها. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الشركات على تقديم أفضل وكيل أو أفضل نموذج، تظهر أهمية طبقة أقل بريقاً لكنها أساسية: طبقة الهوية والصلاحيات والتدقيق.
ومع توسع الاعتماد على الوكلاء في الأقسام التقنية والمالية والقانونية والعملياتية، تصبح الأسئلة المتعلقة بمن يمكنه فعل ماذا، ومتى، وعلى أي بيانات، جزءاً من البنية الأساسية لأي استراتيجية ذكاء اصطناعي. هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن دقة النموذج أو سرعة الاستجابة، لأن أي خلل فيها قد يحول الوكيل من أداة إنتاجية إلى مصدر مخاطرة.
من هنا، يبدو أن الشركات التي تستطيع توفير رؤية مركزية، وضبطاً دقيقاً للصلاحيات، ومسارات تدقيق موثوقة، ستكون من أبرز المستفيدين من الموجة المقبلة في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية. وفي هذا المشهد، تراهن ويلو على أن حوكمة الوكلاء ستصبح متطلباً أساسياً مثلما أصبحت إدارة الهوية والوصول ضرورة في البرمجيات المؤسسية التقليدية.