تتجه الشركات الكبرى إلى إعادة ضبط علاقتها مع أدوات الذكاء الاصطناعي بعد أن اصطدمت الوعود الواسعة للإنتاجية بواقع الفاتورة. وفي هذا السياق، بدأت وولمارت تقييد استخدام مساعدها الداخلي المعتمد على نموذج لغوي كبير، بعد أن تبين أن الطلب عليه كان أعلى بكثير من التقديرات الأولية.
الخطوة الجديدة تعني عملياً الانتقال من إتاحة شبه مفتوحة للأداة إلى نظام حصص محددة لكل موظف، بما يضع سقفاً لكمية الاستعلامات أو المهام التي يمكن تنفيذها. ويعكس هذا التحول توجهاً متزايداً داخل المؤسسات الكبرى نحو التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مورداً ذا تكلفة مباشرة، لا مجرد إضافة مجانية إلى بيئة العمل.
الأداة المعروفة داخلياً باسم Code Puppy طُرحت لمساعدة الموظفين في مهام مثل تحليل الجداول الإلكترونية، إعداد العروض التقديمية، وتنفيذ أعمال مكتبية قابلة للأتمتة. لكن توسع الاستخدام كشف أن النموذج القائم على الاستعلامات المتكررة يمكن أن يتحول سريعاً إلى بند إنفاق ثقيل، خاصة حين يكون عدد المستخدمين ضخماً بحجم قوة العمل لدى وولمارت.
من التجربة المفتوحة إلى حصص الاستخدام
كانت سياسة الشركة في البداية تشجع الموظفين على تجربة المساعد الذكي بحرية، على أساس أن الاستخدام الواسع سيكشف حالات الاستفادة الحقيقية ويقود إلى تبني الأدوات الأكثر فاعلية. غير أن هذا النهج، الذي يبدو مناسباً في مرحلة الاختبار، يصبح أكثر تعقيداً عندما ينتقل النظام إلى بيئة تشغيلية واسعة النطاق.
بحسب المعطيات المتاحة، اختارت وولمارت الآن توزيع عدد ثابت من الرموز على كل موظف. وفي نماذج اللغة الكبيرة، تمثل الرموز وحدة القياس الأساسية للاستهلاك والفوترة، ما يعني أن كل طلب وكل إعادة صياغة وكل خطوة استدلالية إضافية تُترجم مباشرة إلى كلفة مالية. ومع هذا التحول، لم يعد الاستخدام الكثيف مؤشراً على الحماس فقط، بل أصبح أيضاً مؤشراً على الإنفاق.
هذا النمط ينسجم مع الاتجاه الأوسع في سوق الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الشركات المزودة للخدمات تتحول تدريجياً من الاشتراكات الثابتة إلى نماذج الدفع حسب الاستخدام، وهو ما يضغط على المؤسسات التي تبنت الأدوات مبكراً على أساس أن الوصول سيكون شبه غير محدود.
اقتصاديات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات الكبيرة
بالنسبة لشركة تعمل على نطاق ضخم مثل وولمارت، لا تبدو كلفة التفاعل الواحد مرتفعة على الورق. لكن عند ضرب الكلفة في ملايين الموظفين أو في عدد كبير من الطلبات اليومية، يتغير المشهد بالكامل. هنا تظهر الفجوة بين القيمة النظرية للأداة وبين واقع المحاسبة اليومية.
المعضلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الطريقة التي يُستخدم بها. فالمهام البسيطة مثل تلخيص جدول أو إعداد شرائح عرض قد لا تستحق اللجوء إلى النماذج الأكبر والأكثر كلفة. ومع ذلك، قد يختار الموظفون هذه النماذج تلقائياً إذا كانت متاحة بحرية، خصوصاً عندما لا يشعرون بالأثر المالي المباشر.
لذلك، تحاول وولمارت دفع موظفيها إلى اختيار الأداة المناسبة للمهمة المناسبة، بدلاً من الاعتماد العشوائي على أكبر نموذج متاح. هذه السياسة تهدف إلى منع الهدر، وتوجيه الاستخدام نحو السيناريوهات التي تخلق قيمة فعلية مقابل التكلفة.
مشكلة القياس والتحفيز الزائد
أحد الجوانب اللافتة في هذه القصة هو أن قياس الإنتاجية عبر الذكاء الاصطناعي ليس بسيطاً كما يبدو. عندما تبدأ الشركات في تتبع عدد الاستخدامات أو تعقيد الطلبات، قد يدفع ذلك بعض الموظفين إلى تضخيم أنماط الاستهلاك من أجل تحسين مؤشرات الأداء، حتى لو لم يكن ذلك ضرورياً للعمل نفسه.
هذا السلوك، الذي يمكن وصفه بـ"تعظيم الرموز"، يجعل مؤشرات النشاط تبدو أفضل على الورق، لكنه قد يرفع الفاتورة بلا مكاسب حقيقية مقابلة. وفي بيئة تعتمد على الفوترة الدقيقة، تصبح هذه الممارسات مكلفة بصورة مباشرة، لا رمزية.
كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعمل بأسلوب متعدد الخطوات أو متعددة الوكلاء قد تكون أكثر استهلاكاً للموارد من المتوقع. كل دورة مراجعة أو إعادة توليد أو تصحيح للنتائج تعني مزيداً من الرموز، ومزيداً من التكلفة، وربما مزيداً من الوقت أيضاً. وهنا تتضح أهمية الحوكمة الداخلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد توفير الأداة بحد ذاته.
اتجاه سوقي أوسع يعيد تشكيل الفوترة
ما تفعله وولمارت لا يحدث في فراغ. في الأشهر الأخيرة، بدأت شركات كبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي والبرمجيات بإعادة صياغة نماذج التسعير، خصوصاً في الطبقات المؤسسية الأعلى. هذا التحول يجعل التكاليف أكثر ارتباطاً بحجم الاستخدام الفعلي، لكنه في الوقت نفسه يرفع حساسية الشركات تجاه العائد المتحقق من كل أداة.
بعض مقدمي الخدمات أضافوا بالفعل قيوداً جديدة أو انتقلوا إلى خطط تعتمد على الاستهلاك. كما أن أدوات المطورين وخدمات المساعدة البرمجية بدأت تدخل ضمن هذا المسار. والنتيجة أن المؤسسات لم تعد تقيس نجاح تبني الذكاء الاصطناعي فقط بعدد المشاريع المنفذة، بل أيضاً بعدد الدولارات المصروفة مقابل كل تحسين إنتاجي.
في هذا السياق، تبدو خطوة وولمارت محاولة عملية لربط الاستخدام بالقيمة، لا بالإعجاب بالتقنية. فحين تصبح التكلفة مرئية، يصبح القرار أكثر انضباطاً، ويصبح اختيار النموذج المناسب جزءاً من إدارة العمليات لا مجرد قرار تقني.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل أدوات العمل الذكية؟
تكشف هذه الحالة أن المرحلة التالية من تبني الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن تُحسم فقط من خلال جودة النماذج، بل من خلال كفاءة إدارتها. الشركات التي اكتفت بإطلاق الأدوات للموظفين دون ضوابط قد تجد نفسها أمام فواتير أعلى من المتوقع، أو أمام استخدام غير منسق يضعف أثر الاستثمار.
في المقابل، لن يكون تقليص الاستخدام هو الحل الوحيد. فنجاح الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل يحتاج إلى توازن بين الإتاحة والتحكم، وبين التجريب والمحاسبة، وبين السرعة والاقتصاد. والهدف النهائي ليس تقليل استخدام التقنية، بل جعل استخدامها أكثر ذكاءً وارتباطاً بالعائد.
من هنا، تمثل خطوة وولمارت مؤشراً على نضج جديد في التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات الكبيرة. فبعد مرحلة الحماس الأولى، بدأ السؤال الحقيقي يظهر بوضوح: كم تكلف كل مهمة، وما القيمة التي تعود منها؟