الذكاء الاصطناعي والتقنية 05-Jun-2026 5 دقائق قراءة

بنك فيتنامي يوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي عبر حلول مطوّرة داخلياً

يكشف هذا التقرير كيف تبنّى VietBank نهجاً داخلياً في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حماية البيانات وتسريع العمليات وتحسين تجربة العملاء في سوق مصرفية شديدة التنافسية.

استراتيجية مصرفية تقوم على الذكاء الاصطناعي المطوّر داخلياً

في وقت تتسارع فيه بنوك المنطقة إلى تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، اختار VietBank مساراً مختلفاً يعتمد على بناء الحلول داخل المؤسسة بدلاً من شراء الأنظمة الجاهزة. هذا النهج لم يأتِ فقط بدافع خفض التكاليف، بل انطلق من اعتبارات أمنية وتنظيمية مرتبطة بطبيعة العمل المصرفي، حيث لا يمكن السماح بانتقال البيانات الحساسة خارج بيئة البنك.

وقد تحولت هذه الفلسفة إلى محور أساسي في تجربة البنك التقنية، مع التركيز على توظيف أدوات مفتوحة المصدر ونماذج لغوية مستضافة داخلياً، بما يسمح بفصل بيانات العملاء والعمليات التشغيلية عن أي بنية خارجية قد تثير مخاوف الامتثال أو الخصوصية.

مشروعان بارزان: SOTs وIMS

من بين أبرز التطبيقات التي طوّرها البنك داخلياً نظام Smart Office Tracking System المعروف اختصاراً بـ SOTs، إلى جانب Intelligent Management System أو IMS. ووفقاً للمعطيات المتاحة، تم تنفيذ هذه الأدوات بالكامل داخل المؤسسة، باستخدام مكونات مفتوحة المصدر ونموذج لغوي مستضاف ذاتياً، من دون الاعتماد على مزودين مؤسسيين خارجيين.

النتيجة كانت لافتة على مستوى السرعة والموارد. فقد أُنجز مشروع SOTs خلال نحو ثلاثة أشهر ونصف فقط، وضمن ميزانية محدودة نسبياً. كما ساعد على تقليص دورة اعتماد المستندات بنسبة 35%، وهو تحسن ملموس في بنك متوسط الحجم يعمل في سوق تتزايد فيه متطلبات الكفاءة والسرعة.

هذا النجاح لم يمر من دون تقدير، إذ حصد المشروع جائزة ASEAN Innovation Award لعام 2025، كما دُعي البنك لعرض تجربته أمام الجهة الحكومية المعنية خلال مؤتمر وطني للتحول الرقمي والحوكمة.

منطق عملي: ابدأ بحالة استخدام واضحة

النهج الذي يتبعه البنك في الذكاء الاصطناعي لا يقوم على التوسع السريع دون معايير، بل على تنفيذ منضبط يبدأ من مشكلة محددة ثم يمر بمرحلة اختبار مغلقة قبل الانتقال إلى التطبيق الأوسع. هذه المقاربة تجعل الذكاء الاصطناعي أداة تشغيلية أكثر من كونه مشروعاً تجريبياً مفتوحاً.

الفكرة الأساسية هنا بسيطة: لا ينبغي انتظار اكتمال البيانات أو الوصول إلى نموذج مثالي قبل البدء. ففي أسواق مصرفية تنافسية، يمكن أن يؤدي التردد إلى فقدان الأفضلية أمام المنافسين الذين يطبقون الحلول مبكراً ويطوّرونها تدريجياً. لذلك، يركز البنك على إثبات القيمة أولاً ثم التوسع لاحقاً بناءً على النتائج.

الأمن السيبراني يفرض سقفاً جديداً للابتكار

رغم التفاؤل المحيط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يظل الأمن السيبراني أحد أكبر التحديات في القطاع المالي، خصوصاً في الأسواق التي تتعرض لهجمات متقدمة بوتيرة متزايدة. وفي هذا السياق، ينظر VietBank إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة دفاعية أيضاً، لا مجرد وسيلة لرفع الإنتاجية.

التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت أسرع وأكثر تعقيداً من أنظمة الحماية التقليدية، ما يدفع المؤسسات المالية إلى اعتماد طبقات متعددة من الحماية تشمل الاختبارات الهجومية، وفحص الثغرات، والتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة. كما أن أي اختراق لسلسلة التوريد في بنك واحد قد يمتد أثره إلى النظام المالي الأوسع، وهو ما يرفع من أهمية الجاهزية المسبقة.

التنافس في السوق الفيتنامية لا يُحسم بالإنفاق وحده

تعمل البنوك في فيتنام ضمن سوق شديدة التنافس، خصوصاً مع توسع منصات التكنولوجيا المالية وظهور اللاعبين الرقميين الخالصين. في هذا المشهد، لا يرى VietBank أن زيادة الإنفاق وحدها كافية لمجاراة المنافسة. بدلاً من ذلك، يركز على استخدام التحليلات السلوكية وربط بيانات العملاء بأنظمة إدارة العلاقات مع المستخدمين، بما يتيح استهدافاً أدق وعروضاً أكثر ملاءمة.

ويتقاطع هذا الاتجاه مع إطلاق منصة DigiBiz المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تحديث تطبيق الخدمات المصرفية عبر الهاتف. كما يخطط البنك لدمج مزيد من خدمات المدفوعات وتمويل التجارة ضمن خارطة الطريق المقبلة، في محاولة لبناء تجربة رقمية أكثر شمولاً واستجابة لاحتياجات السوق.

العقبات: التكلفة والموهبة والاستمرارية

رغم التقدم المحقق، لا يخفي البنك أن الطريق ما زال محفوفاً بتحديات حقيقية. فمن جهة، أدت الزيادة العالمية في الطلب على شرائح الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الأجهزة والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، يبقى التحدي التنظيمي داخل المؤسسة نفسه عاملاً مؤثراً، إذ قد تتراجع فاعلية المشروعات إذا لم تلتزم وحدات الأعمال بتبنيها على المدى الطويل.

أما أصعب الملفات فيتعلق بالاحتفاظ بالمواهب التقنية. فالسوق التنافسية لا تفرض ضغطاً على الأنظمة فقط، بل على الكفاءات أيضاً. ولهذا يربط البنك بين الاستبقاء والثقافة المؤسسية، عبر منح الموظفين مساحة من الاستقلالية وفرصاً للنمو، وجعل بيئة العمل أكثر جاذبية من مجرد الأجر أو المنصب.

دروس تتجاوز بنكاً واحداً

تُظهر تجربة VietBank أن التحول التقني في القطاع المالي لا يرتبط دائماً بحجم المؤسسة أو وفرة رأس المال، بل كثيراً ما يعتمد على وضوح الرؤية، والانضباط في التنفيذ، والقدرة على اختيار الحالات المناسبة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. فالبنوك التي تتحرك بسرعة محسوبة قد تحقق أثراً تشغيلياً كبيراً حتى مع فرق صغيرة وميزانيات محدودة.

وفي بيئة تقنية تتغير سريعاً، يبدو أن القيمة الحقيقية لا تأتي من مطاردة كل موجة جديدة، بل من تحويل الابتكار إلى جزء عملي من بنية العمل اليومية. وهذه بالضبط هي الرسالة التي تعكسها تجربة البنك الفيتنامي: الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر فاعلية عندما يُصمم لخدمة أولويات واضحة، ويُدار من الداخل، ويُربط مباشرة بنتائج قابلة للقياس.