الذكاء الاصطناعي والتقنية 05-Jun-2026 6 دقائق قراءة

أمنستي إسبانيا تبني نموذجها التقني على البرمجيات الحرة والاستضافة الذاتية لتعزيز السيادة الرقمية

اعتمدت منظمة العفو الدولية في إسبانيا لأكثر من 14 عاماً على البرمجيات الحرة والبنية التحتية المستضافة داخلياً لتقليل الاعتماد على شركات التقنية الكبرى، وحماية البيانات، ورفع مستوى الاستقلالية التشغيلية، مع توسيع هذا النهج إلى أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.

لم تعد التحولات التقنية في المؤسسات تُقاس فقط بزيادة الإنتاجية أو الأتمتة أو عدد الأدوات الجديدة التي تُضاف إلى بيئة العمل. في بعض المنظمات، بات السؤال الأهم يتعلق بمن يملك البيانات، ومن يتحكم في البنية التحتية، ومدى قدرة المؤسسة على مواصلة العمل من دون الارتهان لمورّد واحد أو منصة واحدة.

هذا هو المنطق الذي حكم اختيارات منظمة العفو الدولية في إسبانيا على مدار أكثر من 14 عاماً، إذ بنت نموذجاً تقنياً يقوم على تقليل الاعتماد على الشركات الكبرى، وتوسيع استخدام البرمجيات الحرة، والاعتماد على أنظمتها المستضافة داخلياً، بهدف حماية الخصوصية وتعزيز الاستقلالية التشغيلية والسيطرة على المعلومات.

ومع تصاعد النقاش الأوروبي حول السيادة الرقمية، أصبح هذا النهج يبدو أكثر انسجاماً مع المزاج العام في القطاع التقني. داخل المنظمة، لا يُنظر إلى التقنية بوصفها مجرد أداة تشغيل، بل باعتبارها جزءاً من القدرة المؤسسية على اتخاذ القرار والعمل بحرية، خصوصاً في كيان يدافع عن حقوق الإنسان ويحتاج إلى أعلى درجات الثقة في إدارة بياناته واتصالاته.

خيار مبكر قبل أن يصبح المصطلح شائعاً

بحسب مسؤولي البنية التحتية التقنية في المنظمة، لم يكن الحديث عن السيادة الرقمية هو ما دفعهم إلى هذا المسار في البداية، بل العكس هو الصحيح. فقد اتخذت المؤسسة قرارها بالاعتماد على نفسها واستضافة أكبر قدر ممكن من خدماتها قبل أن يصبح هذا المفهوم جزءاً ثابتاً من الخطاب التقني في أوروبا.

الفكرة الأساسية كانت واضحة منذ البداية: تقليل نقاط الاعتماد الخارجي، وإبقاء البيانات داخل بيئة يمكن التحكم بها، وتجنب أن تؤثر قرارات مزوّد تقني في سير العمل أو في قدرة المنظمة على نشر تقاريرها والقيام بمهامها. وفي نظر فريق التقنية هناك، يمنح هذا النموذج قدراً أعلى من المرونة والاستقرار مقارنة بالاعتماد شبه الكامل على المنصات الضخمة.

هذا التوجه اكتسب أهمية إضافية مع تغير البيئة الجيوسياسية والاقتصادية المحيطة بالقطاع التقني، خصوصاً مع ما شهدته بعض الشركات الكبرى من تعديلات في سياسات الترخيص والخدمات الموجهة للمنظمات غير الربحية. مثل هذه التغييرات، كما يرى مسؤولو التقنية في المنظمة، قد تتحول سريعاً إلى عبء مالي وتشغيلي إذا كانت المؤسسة مرتبطة بالكامل بمنصة واحدة.

الاعتماد على البرمجيات الحرة والاستضافة الذاتية

الركيزة الأساسية في هذا النموذج هي البرمجيات الحرة، إلى جانب الأنظمة المستضافة داخلياً. وتفيد المنظمة بأن هذه الاختيارات تمنحها استقلالاً عن أي شركة بعينها، وتقلل من مخاطر توقف الخدمة أو تغيّر الشروط أو تعديل الأسعار بشكل يربك العمليات اليومية.

من وجهة نظر الفريق التقني، لا تتعلق المسألة بتفضيل تقني فقط، بل بقرار مؤسسي ينسجم مع طبيعة العمل الحقوقي. ففي مؤسسة قد تتعامل مع ملفات حساسة وتقارير تتناول شركات أو جهات نافذة، يصبح من المهم ألا تكون أدوات العمل نفسها مصدر قلق أو ضغط خارجي.

وترى المنظمة أن البرمجيات الحرة تتيح أيضاً مستويات أفضل من الشفافية والقدرة على التكيّف. فبدلاً من أن تكون المؤسسة مقيدة بخارطة طريق يحددها مزود تجاري، تستطيع تطوير بنيتها بحسب احتياجاتها، وإعادة ترتيب أولوياتها التقنية، والتعامل مع الأعطال أو فقدان البيانات بمرونة أكبر.

Nextcloud يتحول من تجربة إلى منصة عمل يومية

أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج هو اعتماد منصة تعاون داخلية مفتوحة المصدر لتبادل الملفات والعمل الجماعي. بدأت التجربة على نطاق صغير مع عدد محدود من المستخدمين، ثم توسعت تدريجياً مع نجاح الاختبار الأولي وازدياد الاعتماد عليها داخل المؤسسة.

في السنوات الأولى، كانت المنظمة تعمل بأسلوب أكثر تقليدية، عبر خوادم ملفات محلية داخل المكتب، في وقت كانت فيه خدمات العمل السحابي المؤسسي لا تزال في بدايات انتشارها. لكن مع توسع الاحتياجات وظهور قناعة أكبر بإمكانية بناء بديل مستقل، أصبح الانتقال إلى منصة مفتوحة المصدر خطوة منطقية.

التحول الحقيقي جاء مع جائحة كوفيد-19 عام 2020، حين دفعت الحاجة إلى العمل عن بُعد المؤسسات حول العالم إلى إعادة النظر في أدواتها. بالنسبة لفريق التقنية في المنظمة الإسبانية، كانت المنصة الداخلية جاهزة بالفعل، ما جعل الانتقال إلى نمط العمل الموزع أقل تعقيداً وأكثر استقراراً.

ومع الوقت، تطورت الأداة من مجرد مساحة لتبادل الملفات إلى بيئة عمل تعاونية متكاملة، تسمح بتحرير المستندات بشكل متزامن والعمل المشترك على الملفات نفسها، وهو ما زاد من قيمتها داخل المؤسسة ووسّع استخداماتها اليومية.

الخصوصية والسيطرة على البيانات في صدارة الأولويات

يرى مسؤولو التقنية أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن فقط في خفض التكاليف أو التحكم الفني، بل في ضمان الخصوصية والسيادة الفعلية على البيانات. فحين تُدار الخدمة داخل البنية الخاصة بالمؤسسة، تصبح إمكانية تتبع البيانات وإدارتها واسترجاعها أكثر وضوحاً وأعلى أماناً.

ويؤكد فريق التقنية أن الابتعاد عن المنصات الكبرى هو السبيل الأكثر موثوقية لضمان الخصوصية الفعلية في بيئة العمل الحديثة، لأن البيانات لا تمر عبر أنظمة لا تملك المؤسسة السيطرة الكاملة عليها. كما أن نماذج الخدمات المدمجة على نطاق واسع قد تؤدي، من وجهة نظرهم، إلى بناء ملفات تعريف موسعة عن المستخدمين، سواء كانوا موظفين أم متعاونين.

وفي المقابل، يمنح الاعتماد على بنية مستقلة قدراً أكبر من الحرية في تحديد ما يُحفظ، وكيف يُحفظ، ومن يمكنه الوصول إليه. كما يسهّل عمليات استعادة البيانات المفقودة، ويمنح الفريق التقني مرونة في إدارة أدوات العمل بما يناسب طبيعة كل مهمة.

الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة بشروط داخلية

رغم أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتحسين الكفاءة وتطوير الخدمات، فإنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة حساسة حول حماية البيانات. ولهذا السبب، وضعت المنظمة سياسات داخلية واضحة تحد من استخدام الأدوات الخارجية عند التعامل مع البيانات الشخصية أو الحساسة.

الهدف من هذه السياسات هو منع إدخال معلومات المستخدمين أو البيانات الخاصة في أنظمة ذكاء اصطناعي تديرها شركات كبرى، ما قد يفتح الباب أمام استخدامات غير مرغوبة أو غير واضحة تماماً على مستوى التخزين والمعالجة والتدريب.

وفي المقابل، تعمل المنظمة على تطوير حلولها الخاصة المستضافة داخلياً، بحيث تستطيع تقديم وظائف تعتمد على الذكاء الاصطناعي من دون التضحية بالخصوصية. وتشمل المشاريع قيد التطوير مجالات مثل مؤتمرات الفيديو، والتحويل النصي، وتحليل الصوت والنصوص، وإنتاجها بصورة آمنة ضمن بيئة يمكن التحكم فيها.

هذا التوجه يعكس ما يمكن وصفه بالنموذج الهجين: بعض المهام يمكن أن تعتمد على أدوات خارجية عندما لا تكون البيانات شديدة الحساسية، بينما تبقى العمليات الأكثر تعقيداً أو الأقرب إلى المعلومات الشخصية داخل البنية الداخلية للمؤسسة.

نقاش أوسع حول مستقبل الاستقلال التقني

بحسب المسؤولين في المنظمة، فإن موجة الذكاء الاصطناعي ستؤثر في كل جانب تقريباً من جوانب العمل المؤسسي، من التعاون الداخلي إلى البحث والتحليل وإنتاج المحتوى. لكن هذا الواقع، بدلاً من أن يقلل أهمية السيادة التقنية، يجعلها أكثر إلحاحاً.

فكلما توسعت قدرات الأنظمة الذكية، زادت أهمية السؤال عن مكان تشغيلها، وطبيعة البيانات التي تتعامل معها، والجهة التي تتحكم في نتائجها وتحديثاتها. ومن هذا المنظور، ترى المنظمة أن الآن هو الوقت المناسب لتوسيع الاستقلال التقني، لا تقليصه.

كما أن تغير المزاج العام في القطاع خلال العامين الأخيرين منح هذا النهج زخماً إضافياً. فالمفاهيم التي كانت تُعد هامشية أو مثيرة للريبة قبل سنوات، مثل استضافة الأنظمة ذاتياً وإدارة البيانات داخلياً، أصبحت اليوم موضوعاً متكرراً في النقاشات المهنية والاستراتيجية.

وتعتقد المنظمة أن ما اختارته قبل سنوات لم يكن مجرد حل مؤقت، بل قراراً استباقياً اتضح مع الوقت أنه كان ضرورياً. وفي عالم تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي وتتزايد فيه أهمية البيانات، يبدو التحكم في البنية التحتية أكثر من مجرد خيار تقني؛ إنه جزء من استراتيجية مؤسسية للبقاء والعمل باستقلالية.