الذكاء الاصطناعي والتقنية 09-Jun-2026 6 دقائق قراءة

إيكيا تحوّل روبوت المحادثة إلى قناة بيع بقيمة 1.3 مليار يورو وتعيد تعريف دور الذكاء الاصطناعي في الأعمال

أظهرت تجربة إيكيا مع المساعد الرقمي Billie أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل قد يكشف فرصاً تجارية غير متوقعة. فبعد أن تعامل الروبوت مع ملايين الاستفسارات، أعادت الشركة توظيف آلاف موظفي مراكز الاتصال ليصبحوا مستشارين للتصميم الداخلي عن بُعد، لتحوّل مركز التكلفة إلى مصدر إيرادات ضخم.

قد تبدو قصة روبوت المحادثة Billie مجرد مثال تقليدي على استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء، لكنه في حالة إيكيا كشف عن نتيجة أكبر بكثير من مجرد تقليل عدد المكالمات. ما بدأ كأداة للإجابة عن الأسئلة الروتينية حول توافر المنتجات ومواعيد التسليم وحالة الطلبات، انتهى إلى إعادة صياغة جزء مهم من نموذج الأعمال داخل الشركة.

بين عامي 2021 و2023، تعامل Billie مع 3.2 مليون محادثة، ونجح في حل نحو 47% منها. هذا الأداء وفّر على الشركة 13 مليون يورو، وهو رقم يعكس قيمة واضحة لأي مشروع أتمتة يعتمد على الذكاء الاصطناعي. لكن الأهم أن النتائج لم تدفع إيكيا إلى التفكير بالطريقة المعتادة التي تركز على تقليص الفرق البشرية، بل قادتها إلى طرح سؤال مختلف: ماذا يكشف الذكاء الاصطناعي عن احتياجات العملاء التي كانت موجودة منذ سنوات ولم تُرصد بالوضوح الكافي؟

من خفض التكاليف إلى اكتشاف فرصة غير مرئية

الاستفادة الأولى من Billie كانت تشغيلية بامتياز. فالروبوت خفف الضغط على مراكز الاتصال، وألغى الحاجة إلى تدخل بشري في جزء كبير من الاستفسارات المتكررة. لكن نحو 53% من الطلبات بقيت خارج قدراته، وهذه النسبة تحديداً كانت نقطة التحول. عند تحليل هذه المكالمات غير المحسومة، اكتشفت إيكيا أن العملاء لا يبحثون فقط عن معلومات تقنية مثل توفر منتج أو موعد تسليم، بل يريدون أيضاً مشورة شخصية حول كيفية تناسق الأثاث مع مساحة المنزل وأسلوب الحياة.

هنا ظهرت فرصة تجارية لم تكن محسوبة ضمن أهداف المشروع الأصلية. فبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لخفض التكاليف فقط، تعاملت الشركة معه كأداة تكشف احتياجاً خفياً في السوق: الاستشارات الداخلية عن بُعد. هذا التحول غيّر زاوية النظر إلى الوظائف التي كانت تُعتبر قابلة للأتمتة بالكامل.

بدلاً من تقليص 8500 موظف في مراكز الاتصال، أعادت إيكيا توجيههم إلى دور جديد كمستشارين في التصميم الداخلي يعملون عن بُعد عبر الهاتف والفيديو. وهكذا انتقلت الخبرة البشرية من الرد على الأسئلة المتكررة إلى تقديم خدمة ذات قيمة أعلى وأكثر قرباً من قرار الشراء. النتيجة لم تكن مجرد إعادة توزيع للموظفين، بل إنشاء قناة مبيعات جديدة داخل الشركة.

إيرادات تفوق الوفورات بمئة مرة

تحول المشروع من أداة دعم إلى مصدر دخل مؤثر بسرعة لافتة. ففي أول سنة كاملة، وصلت الإيرادات الناتجة عن الخدمة الجديدة إلى 1.3 مليار يورو، أي ما يعادل 3.3% من إجمالي إيرادات الشركة. وبعد سنوات قليلة، بات الهدف المعلن رفع هذه النسبة إلى 10% بحلول عام 2028، ما يعني أن التجربة لم تعد مبادرة تجريبية بل أصبحت جزءاً من استراتيجية تجارية طويلة الأمد.

المقارنة بين العائدين توضح حجم الفرق في طريقة التفكير. التوفير البالغ 13 مليون يورو كان مهماً، لكنه ظل محدود الأثر مقارنة بإيرادات 1.3 مليار يورو التي ولّدتها الخدمة الجديدة. هذا الفارق الهائل يقدّم رسالة واضحة لقطاع الأعمال: قيمة الذكاء الاصطناعي لا تكمن دائماً في كمية العمل التي ينجزها أو في عدد الوظائف التي يستبدلها، بل في نوع الأسئلة التي يفتحها أمام الشركة.

بعبارة أخرى، التقنية نفسها التي تُستخدم عادة لخفض التكاليف قد تصبح أداة لاكتشاف خطوط أعمال جديدة. وفي حالة إيكيا، لم يكن الذكاء الاصطناعي هو المنتج النهائي، بل كان نقطة البداية التي كشفت عن خدمة لم تكن مرئية من قبل داخل البنية التشغيلية التقليدية.

ماذا تعني القصة لمسؤولي التقنية

تجربة إيكيا تحمل دلالة خاصة لمديري التكنولوجيا وقيادات التحول الرقمي، لأن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بكفاءة الأنظمة أو سرعة الأتمتة، بل بكيفية تحويل النتائج التقنية إلى فرص تجارية. كثير من المؤسسات تتعامل مع مشروعات الذكاء الاصطناعي على أنها ملفات أداء تقاس بعدد التذاكر المغلقة أو ساعات العمل التي جرى توفيرها. لكن هذا المنطق، رغم أهميته، قد يحد من القيمة الحقيقية للتقنية.

الأهم هو النظر إلى ما تكشفه أدوات الذكاء الاصطناعي عن سلوك العملاء، وعن الفجوات داخل العمليات، وعن المهارات غير المستغلة لدى الموظفين. عندما تتولى الأنظمة الذكية جزءاً من العمل، تظهر تلقائياً أنماط طلب جديدة، أو احتياجات لم تكن واضحة، أو فرص لابتكار خدمات لا يمكن رؤيتها عبر التقارير التقليدية وحدها.

في هذه النقطة تحديداً، يصبح دور كبير مسؤولي التقنية أكثر اتساعاً. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة التنفيذ وقياس مؤشرات الأداء، يمكنه أن يخلق مساحة للنقاش بين التكنولوجيا والأعمال والموارد البشرية. هذا التنسيق لا يحتاج بالضرورة إلى لجان معقدة، بقدر ما يحتاج إلى قرار إداري يربط بين ما تستطيع التقنية فعله وما يمكن للشركة أن تبنيه فوق هذا التقدم.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الدور البشري بل يعيد تشكيله

ما فعلته إيكيا لا يقدم جواباً نهائياً على تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف، لكنه يضيف زاوية مهمة للنقاش. فبدلاً من منطق الإحلال المباشر بين الإنسان والآلة، تكشف التجربة أن الأتمتة قد تفتح مساحة جديدة للعمل البشري حين تُستخدم لرؤية ما وراء المهمة الأصلية. الروبوت تولى الرد على الأسئلة المتكررة، لكن البشر تولوا المهمة الأكثر حساسية وربحية: فهم رغبات العميل وتحويلها إلى قرار شراء.

هذا النوع من التحول لا يحدث تلقائياً. فهو يتطلب استعداداً مؤسسياً للنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لاكتشاف القيمة وليس فقط لاستخراج الوفورات. كما يتطلب شجاعة في إعادة تعريف الأدوار، خاصة عندما تكون النتائج الأولى للمشروع مغرية بما يكفي لإغلاق الملف عند حدود الكفاءة التشغيلية.

لكن الدرس الأهم في هذه الحالة أن المؤسسة التي تكتفي بما تقيسه التقارير تفوّت غالباً ما لا تقيسه بسهولة. وفي عالم تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قد يكون الفرق بين مشروع ناجح ومشروع تحويلي هو سؤال واحد فقط: ماذا نكتشف بعد أن تتولى الآلة الجزء المعتاد من العمل؟

في حالة إيكيا، كان الجواب واضحاً. الذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بتوفير المال، بل كشف عن سوق جديدة داخل الشركة نفسها. ومن هنا جاءت القفزة الحقيقية: من مركز تكلفة إلى مصدر إيرادات، ومن أتمتة الخدمة إلى إعادة بناء وظيفة الأعمال حولها.