أعلن باحثون في سويسرا عن تقدم لافت في مجال توليد الأرقام العشوائية، بعد تطوير منظومة تعتمد على مكونات كميّة وممر ميكروويف طويل وبرمجيات خاصة لإنتاج تسلسل يمكن وصفه بأنه عشوائي تماماً وفقاً لنتائجهم.
وتحمل هذه النتيجة أهمية مباشرة لقطاعات تعتمد على العشوائية عالية الجودة، مثل التشفير، وإدارة المفاتيح الرقمية، وبعض التطبيقات المرتبطة بالتصويت الإلكتروني والخدمات العامة القائمة على الثقة، بما في ذلك أنظمة القرعة وبعض نماذج البلوك تشين.
لماذا تعد العشوائية الدقيقة مسألة أمنية
تبدو الأرقام العشوائية قضية نظرية في ظاهرها، لكنها في الواقع جزء أساسي من البنية الأمنية للأنظمة الرقمية. فالمفاتيح المستخدمة في التشفير، وآليات المصادقة، وبعض البروتوكولات الحساسة، تحتاج إلى أرقام لا يمكن التنبؤ بها بسهولة. وعندما تكون العشوائية ضعيفة أو منحازة، تظهر ثغرات قد تسمح للمهاجمين باستنتاج الأنماط أو إعادة بناء المفاتيح.
هذه المشكلة لا تقتصر على البرمجيات التقليدية. حتى بعض المصادر التي يُفترض أنها تستفيد من الظواهر الكمية قد تعاني من انحرافات بسيطة تجعلها أقل مثالية مما يبدو. لذلك ظل البحث عن عشوائية يمكن التحقق منها بدقة هدفاً مهماً في علوم المعلومات والأمن السيبراني.
كيف بُني النظام الجديد
اعتمد الفريق البحثي على شريحتين فائقتي التوصيل تعملان في بيئة شديدة البرودة تقارب الصفر المطلق، بحيث تمثل كل شريحة عنصراً كمياً أساسياً في العملية. وبين الشريحتين يوجد ممر ميكروويف بطول 30 متراً، وهو أيضاً مبرد بعناية، وتنتقل عبره فوتونات ميكروويفية تخلق حالة من التشابك الكمي بين المكونات.
بعد ذلك، تُمرَّر النتائج عبر خوارزمية متخصصة لتحويلها إلى سلسلة من الأصفار والآحاد. ويؤكد الباحثون أن هذه الخطوة لا تكتفي بإنتاج عشوائية عالية الجودة، بل تسمح أيضاً بالتحقق من أن التسلسل الناتج يفي بمعايير التمحيص العلمي للعشوائية.
هذا النهج يختلف عن الكثير من المولدات البرمجية التي تعتمد على خوارزميات شبه عشوائية. فهذه الأخيرة مفيدة في الاستخدامات اليومية، لكنها لا تمنح دائماً مستوى الضمان المطلوب في البيئات الحساسة أمنياً.
ماذا يعني وصف العشوائية بأنها "معتمدة"
الادعاء الأهم في هذا البحث ليس مجرد إنتاج أرقام غير متوقعة، بل القدرة على إثبات أن العشوائية حقيقية وفقاً لنموذج رياضي وتجريبي. وفي هذا السياق، يشير الباحثون إلى أن التسلسل الناتج يمكن التحقق منه، وأن خصائصه ستبقى عشوائية على المدى الطويل من الناحية النظرية.
هذا النوع من التصريحات يهم المؤسسات التي تحتاج إلى مصدر عشوائية موثوق يمكن تدقيقه لاحقاً، بدل الاكتفاء بالاعتماد على مولدات داخلية قد تكون عرضة للخطأ أو التحيز أو التلاعب.
تطبيقات محتملة في التشفير والأنظمة العامة
إذا ثبتت فعالية هذه التقنية على نطاق أوسع، فقد تكون مفيدة في عدة مجالات. في التشفير، يمكن أن تدعم إنشاء مفاتيح أكثر أماناً. وفي الخدمات العامة، قد تُستخدم كخدمة عشوائية علنية للمزادات أو السحوبات أو أي آلية تتطلب شفافية قابلة للتدقيق.
أما في بيئات البلوك تشين، فقد تهم هذه النتائج المطورين الذين يبحثون عن مصادر عشوائية خارجية لتقليل التحيز وتحسين التوزيع العادل في بعض العمليات الحساسة.
ومع ذلك، يبقى الانتقال من التجربة المختبرية إلى الاستخدام العملي مسألة تحتاج إلى اختبارات إضافية، خاصة فيما يتعلق بالاستقرار، والتكلفة، وسهولة الدمج مع البنية التحتية الحالية.
السياق العلمي والمنافسة البحثية
هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها باحثون عن اقترابهم من توليد عشوائية حقيقية باستخدام أنظمة كمّية. فالقطاع البحثي يشهد منذ سنوات محاولات متعددة لتحويل الظواهر الكمية، مثل التراكب والتشابك، إلى أدوات عملية لإنتاج أرقام لا يمكن التنبؤ بها.
لكن التحدي المتكرر كان دائماً في مسألة الضبط والاعتماد. فهناك فرق بين الإشارة إلى مصدر فيزيائي معقد وبين إثبات أن المخرج النهائي عشوائي بالكامل ولا يحمل أي انحياز. ومن هنا تأتي أهمية هذا الإنجاز المعلن، لأنه يحاول سد الفجوة بين النظرية والتطبيق.
ما الذي نشره الفريق
قال الباحثون إن نتائجهم نُشرت في مجلة علمية بارزة متخصصة بالأبحاث الأساسية. ويمنح النشر في هذا النوع من الدوريات وزناً إضافياً للعمل، لأنه يتيح تقييم المنهجية والنتائج من قبل مجتمع علمي أوسع.
وبالنسبة لخبراء الأمن الرقمي، تمثل مثل هذه الأبحاث خطوة مهمة نحو أدوات أكثر موثوقية لإدارة العشوائية في الأنظمة الحساسة. أما بالنسبة للحوسبة الكمية، فهي تذكير بأن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تقتصر على سرعة المعالجة، بل تشمل أيضاً بناء وظائف أمنية جديدة قد تكون أكثر متانة من البدائل التقليدية.
في المحصلة، يضيف هذا العمل إلى الجهود العالمية الرامية إلى تحويل الظواهر الكمية من موضوعات بحثية نظرية إلى أدوات قابلة للاستخدام الفعلي في البنية الرقمية الحديثة.