الذكاء الاصطناعي والتقنية 10-Jun-2026 5 دقائق قراءة

سباق استهلاك الرموز في الشركات يثير مخاوف بشأن قياس تبني الذكاء الاصطناعي

تتجه بعض الشركات إلى قياس تبني أدوات الذكاء الاصطناعي عبر عدد الرموز المستهلكة، لكن هذا المؤشر قد يدفع الموظفين إلى زيادة الاستخدام بشكل مصطنع على حساب الكلفة والجودة والنتائج الفعلية.

تواجه فرق التقنية في الشركات معضلة متزايدة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل: كيف يمكن قياس مدى تبني الموظفين لهذه الأدوات من دون تحويل القياس نفسه إلى حافز سيئ؟ وفي وقت باتت فيه العوائد الاستثمارية هي المعيار النهائي لنجاح أي مبادرة تقنية، تلجأ بعض المؤسسات إلى مؤشر سهل الالتقاط وهو عدد الرموز التي يستهلكها الموظفون أثناء استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا الأسلوب، رغم بساطته، قد يخلق نتائج عكسية. فعندما يصبح الاستهلاك الرقمي هو المقياس الأبرز، قد يندفع الموظفون إلى استخدام النماذج بكثافة أكبر من الحاجة الفعلية، أو اللجوء إلى أدوات متقدمة في مهام يمكن إنجازها بوسائل أبسط وأقل كلفة. وهنا يتحول قياس التبني من أداة لفهم السلوك إلى آلية تشجع على التضخم في الاستخدام.

مؤشر سهل... لكنه ناقص

الاعتماد على استهلاك الرموز اكتسب شعبية لأنه سهل الرصد والتحليل. فإذا كان الموظف لا يستهلك رموزاً تقريباً، فهذا يعني غالباً أنه لا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي. أما إذا بدأ الاستخدام في التوسع، فيبدو ذلك ظاهرياً كأنه تقدم في مسار التبني. غير أن هذه القراءة لا تكشف ما إذا كان الاستخدام فعلياً مفيداً، أو إذا كان الموظف يحقق نتائج أفضل، أو إذا كانت الكلفة تتناسب مع القيمة المتولدة.

المشكلة الأساسية أن ارتفاع الاستهلاك لا يعني تلقائياً ارتفاع الإنتاجية. قد يستخدم أحدهم نموذجاً لغوياً كبيراً لإنجاز مهمة بسيطة كان يمكن حلها بأداة أخف وأرخص، مثل صياغة رسالة قصيرة أو تلخيص ملاحظات محدودة. وفي هذه الحالة، لا يضيف القياس أي فهم حقيقي للقيمة، بل قد يخفي وراءه سلوكاً غير رشيد في إدارة الموارد.

وتزداد المخاطر حين تُربط لوحات المتابعة الداخلية أو المنافسات بين الموظفين بعدد الرموز المستهلكة فقط. عندها قد ينشأ ما يشبه سباقاً داخلياً على الظهور في المراتب الأولى، حتى لو كان ذلك يعني استخداماً غير ضروري للمنصات، أو رفع الفاتورة الشهرية، أو إضعاف الانضباط في إدارة حالات الاستخدام.

حين تتحول الحوافز إلى سلوك قابل للتلاعب

تجربة بعض الشركات مع لوحات متابعة استخدام الذكاء الاصطناعي أظهرت أن الحافز يمكن أن ينقلب بسرعة من “التشجيع على التجربة” إلى “تعظيم الاستهلاك”. هذا النمط، الذي بدأ يُشار إليه أحياناً بمصطلح tokenmaxxing، يقوم على فكرة استخدام الأدوات بأكبر قدر ممكن بهدف تصدر المؤشرات الداخلية، لا بهدف تحقيق أفضل نتيجة.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية في إدارة الأداء: المؤشرات التي يسهل قياسها هي غالباً الأسهل في التلاعب. فإذا كان الموظف يُكافأ أو يُشاد به لمجرد أنه استهلك عدداً أكبر من الرموز، فسيصبح من المنطقي بالنسبة له أن يزيد الاستخدام حتى عندما لا تكون هناك حاجة فعلية. ومع الوقت، قد تنتشر ثقافة داخلية تقدّم “الكم” على حساب “الأثر”.

هذا السلوك لا يضر فقط بالميزانية، بل قد يضعف أيضاً جودة العمل. ففي فرق التطوير، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي التشجيع على إنتاج كميات أكبر من الشيفرة المولدة آلياً إلى تراكم أخطاء تقنية أو فجوات أمنية إذا لم تواكب ذلك مراجعات صارمة واختبارات كافية. وبالتالي، فإن المؤشر الذي صُمم لتشجيع التبنّي قد يفتح الباب أمام مخاطر تشغيلية فعلية.

الكلفة ليست تفصيلاً ثانوياً

إحدى النقاط التي تثير قلق قادة التقنية هي أن الرهان على زيادة الاستخدام قد لا يكون مجانياً أبداً. فاستعمال النماذج الكبيرة، خصوصاً في المهام البسيطة أو المتكررة، يمكن أن يرفع الكلفة بسرعة. ومع استمرار الضغوط المرتبطة بأسعار الحوسبة واستهلاك الطاقة، يصبح كل استخدام غير مبرر جزءاً من فاتورة أكبر قد تبتلع جزءاً من العائد المتوقع من مبادرات الذكاء الاصطناعي.

من هنا، لا يكفي أن تعرف المؤسسة أن الموظفين “يستخدمون” الأدوات. الأهم هو أن تعرف كيف يستخدمونها، ولماذا، وما الذي ينتج عن ذلك. فإذا كان الهدف هو تحسين السرعة أو خفض الأخطاء أو تقليل المهام الروتينية، فلا بد أن تُقاس هذه النتائج مباشرة، لا أن تُستنتج فقط من حجم الاستهلاك.

فكرة قياس الرموز وحدها تشبه إلى حد بعيد متابعة عدد الأميال التي يقطعها الشخص يومياً من دون الانتباه إلى النظام الغذائي أو المؤشرات الصحية الأساسية. قد يبدو النشاط مرتفعاً، لكن النتيجة النهائية قد تكون بعيدة تماماً عن المطلوب.

من قياس الاستخدام إلى قياس القيمة

البديل العملي لا يتمثل في إلغاء متابعة الرموز بالكامل، بل في وضعها داخل إطار أوسع. فالمؤسسات تحتاج إلى مجموعة مؤشرات متكاملة تشمل حجم الاستخدام، والكلفة المرتبطة به، والمخرجات التي تحققت بسببه، وما إذا كانت هذه المخرجات انتقلت فعلاً إلى بيئة العمل أو الإنتاج.

في فرق البرمجة مثلاً، ليس المهم عدد الأسطر التي أنتجتها أداة الذكاء الاصطناعي، بل عدد الأسطر التي اجتازت المراجعة وتم دمجها في المنتج النهائي. وهذا الفرق مهم جداً، لأن الشيفرة التي تُكتب ثم تُرفض أو تُعاد صياغتها أو تُستبعد لاحقاً تمثل كلفة مهدورة، حتى لو بدت في البداية وكأنها دليل على نشاط مرتفع.

وينطبق المنطق نفسه على حالات الاستخدام الأخرى: دعم العملاء، أو إعداد التقارير، أو تلخيص الوثائق، أو البحث الداخلي. فكل مجال يحتاج إلى تعريف واضح لما يعنيه “النجاح”. هل هو تقليص الوقت؟ رفع الجودة؟ خفض عدد الأخطاء؟ تقليل المخاطر؟ أم الجمع بين هذه العناصر؟ بدون إجابة دقيقة، ستبقى لوحات القياس مجرد أرقام جميلة لا تعكس الواقع.

المؤشرات التي تحتاجها الشركات فعلاً

كي تتجنب المؤسسات فخ “الرموز من أجل الرموز”، عليها أن تصمم أنظمة قياس تربط تبني الذكاء الاصطناعي بمؤشرات إنتاجية ملموسة. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات ما يلي:

  • نسبة الاستخدام المفيد: عدد المهام التي أنجزت عبر الذكاء الاصطناعي وحققت نتائج قابلة للقياس.
  • الكلفة مقابل الناتج: مقارنة الإنفاق على الاستهلاك الفعلي بالقيمة التي أضافها إلى العمل.
  • الجودة: هل حسّنت الأدوات دقة المخرجات أم زادت الحاجة إلى المراجعة والتصحيح؟
  • الاعتماد في الإنتاج: كم من المخرجات دخلت فعلاً ضمن العمليات أو المنتجات النهائية؟
  • المخاطر: هل أدى الاستخدام المكثف إلى مشكلات في الأمن أو الامتثال أو التحكم بالجودة؟

بهذا النهج، تصبح لوحات المتابعة وسيلة لضبط الأداء، لا مجرد ساحة تنافس على الأرقام. كما تسمح للإدارات التقنية بتحديد أين يحقق الذكاء الاصطناعي مكسباً حقيقياً، وأين يتحول إلى عبء مكلف بلا أثر واضح.

الخلاصة: التبني لا يساوي الفاعلية

الدرس الأهم للشركات هو أن تبني الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُقاس بالاستعمال وحده. فزيادة الرموز المستهلكة قد تعني أحياناً تعلماً أسرع أو دمجاً أوسع للأدوات الجديدة، لكنها قد تعني أيضاً إسرافاً أو سلوكاً غير منتج أو حتى سوء تصميم للحوافز الداخلية. لذلك، فإن النجاح الحقيقي لا يظهر في حجم الاستهلاك، بل في التحول من التجربة إلى قيمة قابلة للقياس.

وعندما تبدأ المؤسسة في ربط الاستخدام بالمخرجات، تتغير طبيعة السؤال من “كم استخدم الموظفون؟” إلى “ماذا حققوا باستخدامه؟”. وهذه النقلة هي ما يفصل بين تبني تقني شكلي وبين تحول فعلي في الإنتاجية والعمل.