كشفت دراسة حديثة عن مفارقة متزايدة داخل بيئات العمل الرقمية: الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ترفع وتيرة الإنجاز، لكنها تخلق في الوقت نفسه طبقة جديدة من الأعمال غير المرئية التي يتحملها الموظفون، بدءاً من تزويد الأنظمة بالسياق المطلوب، مروراً بمراجعة المخرجات، وانتهاءً بتصحيح الأخطاء وتكرار العملية عبر منصات متعددة.
وتشير النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة لتنفيذ المهام، بل أصبح جزءاً من سير العمل نفسه. ومع ذلك، فإن هذه الفائدة لا تأتي بلا تكلفة. فبينما يوفر النظام ساعات من العمل الأسبوعي، يستهلك جزءاً كبيراً منها في ما يمكن وصفه بإدارة الأداة بدلاً من استخدام الأداة.
مفارقة الإنتاجية داخل المؤسسات
بحسب الدراسة التي استندت إلى استطلاع شمل 6000 موظف يعملون في وظائف رقمية بدوام كامل، فإن 87% من المشاركين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في أعمالهم اليومية. كما أفادوا بأن هذه الأدوات تؤدي أكثر من ربع المهام الرقمية الروتينية، وتوفر في المتوسط نحو 11 ساعة أسبوعياً.
لكن هذا التحسن الظاهر في الكفاءة يخفي واقعاً آخر: الموظفون يقضون قرابة 6.4 ساعات أسبوعياً في ما يمكن تسميته بـإدارة الذكاء الاصطناعي، أي في شرح الخلفية المطلوبة للنظام، والتأكد من صحة النتائج، وتنظيف المخرجات غير الدقيقة، والتنقل بين أدوات غير مترابطة.
النتيجة هي أن الوقت الذي يتم توفيره عبر الأتمتة لا يذهب كله إلى إنجاز المزيد من العمل، بل يُعاد استهلاكه في تصحيح آثار الأتمتة نفسها. وهذه هي المفارقة التي بدأت تظهر في مؤسسات عديدة تعتمد على أكثر من أداة ذكاء اصطناعي في الوقت نفسه.
عمليات غير مرئية تثقل كاهل الموظفين
تصف الدراسة هذا العبء غير المعلن بمصطلح يشير إلى “الاعتناء بالروبوتات”، وهو عمل إضافي لا يظهر عادة في مؤشرات الأداء التقليدية. فالموظف لا يضغط زرّاً ليحصل على نتيجة جاهزة، بل يضطر إلى تزويد النموذج بتفاصيل عن المنتجات أو العملاء أو السياسات الداخلية أو طبيعة المهمة نفسها، لأن النماذج العامة لا تمتلك دائماً معرفة دقيقة بسياق المؤسسة.
ويزداد الضغط عندما يستخدم العاملون عدداً كبيراً من الأدوات غير المتصلة ببعضها. في هذه الحالة، تتكرر الأسئلة نفسها أكثر من مرة، ويُعاد إدخال البيانات نفسها في كل منصة، ما يرفع مستوى الإرهاق ويقلل من الفائدة الصافية للذكاء الاصطناعي.
كما أن جزءاً من المشكلة يرتبط بطبيعة المخرجات: فقد تبدو الإجابات المصاغة بواسطة الذكاء الاصطناعي متقنة من حيث الشكل، لكنها قد تكون ناقصة أو مضللة أو خالية من التفاصيل المهمة. وهنا تبدأ مرحلة المراجعة والتنقيب عن الأخطاء، وهي مرحلة تستنزف الوقت والجهد، خصوصاً عندما يكون الشخص الذي يراجع النتيجة لم يشارك في إنتاجها من الأساس.
الثقة بالمخرجات ليست كاملة
تلفت الدراسة إلى أن أحد أكبر مصادر الإرهاق يتمثل في تصحيح ما ينتجه الذكاء الاصطناعي بعد تسليمه إلى فريق العمل. هذا النوع من المراجعة لا يقتصر على التدقيق اللغوي أو التنسيقي، بل يشمل فحص المنطق الداخلي للنتيجة، والتحقق من البيانات، والبحث عن السياق المفقود، ثم تحديد ما إذا كانت المهمة صالحة للاستخدام أم تحتاج إلى إعادة صياغة كاملة.
وتكمن المشكلة في أن الآثار السلبية لا تظهر دائماً فوراً. أحياناً يمر الخطأ عبر عدة مراحل قبل أن يكتشفه أحد، ما يجعل عملية التصحيح أكثر تعقيداً. عندها لا يعود الأمر مجرد مراجعة بسيطة، بل يتحول إلى تحقيق داخلي لمعرفة أين أخفقت الأداة، ومن المسؤول عن تمرير النتيجة من دون تدقيق كافٍ.
ورغم ذلك، لا ترى الدراسة أن كل أشكال الإشراف على الذكاء الاصطناعي سلبية. فوجود حد أدنى من الرقابة البشرية يظل ضرورياً، خاصة في الأعمال التي تتطلب حكماً مهنياً أو معرفة تفصيلية أو مسؤولية تنظيمية. المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الإشراف عبئاً متكرراً وغير محسوب ضمن وقت العمل الفعلي.
سلوك جديد: استخدام المخرجات قبل التحقق منها
إلى جانب عبء المراجعة، ترصد الدراسة سلوكاً آخر أكثر حساسية: بعض الموظفين يرسلون أعمالاً مولدة بالذكاء الاصطناعي من دون التحقق منها بالكامل، إما بسبب ضغط الوقت أو بسبب الاعتماد الزائد على الأداة. ويشير هذا النمط إلى انتقال الخطر من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التسليم، حيث قد تمر الأخطاء إلى داخل المؤسسة أو إلى العملاء النهائيين.
وتظهر البيانات أن نسبة كبيرة من المستخدمين يعترفون بتمرير أعمال لم يتأكدوا من صحتها بالكامل، كما يقول جزء منهم إنهم قد لا يستطيعون شرح ما سلموه إذا طُلب منهم ذلك لاحقاً. وهذا يكشف عن فجوة بين صورة الاستخدام السريع للذكاء الاصطناعي وبين متطلبات المساءلة المهنية.
كما أن بعض العاملين يعزون أخطاءهم الخاصة إلى الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس تداخلاً متزايداً بين الخطأ البشري والخطأ الآلي. ومع انتشار أدوات متعددة وبوتات أكثر قدرة على التنفيذ الذاتي، يصبح من الأسهل أن يفقد المستخدم السيطرة على التسلسل الكامل للعمل.
الشركات الأكثر تقدماً لا تستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر فقط
أحد أبرز الاستنتاجات في الدراسة أن المؤسسات المتقدمة لا تبدو بالضرورة هي الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تستثمر وقتاً أكبر في ضبط طريقة الاستخدام. فالشركات التي تحقق نتائج أفضل لا تكتفي بإتاحة الأداة، بل توضح ما الذي يعنيه “العمل الجيد”، وتحدد ما الذي يجب ألا يُسند إلى النموذج من الأساس.
هذا يعني أن النجاح لا يرتبط بعدد الاستعلامات أو كمية المخرجات، بل بقدرة المؤسسة على تنظيم العلاقة بين الإنسان والأداة. فالتطبيق الفعال يتطلب تدريباً، ودعماً مستمراً، وإعادة تصميم لبعض المهام، إلى جانب الاعتراف بأن استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه مهارة تحتاج إلى تطوير.
ومن المهم أيضاً، بحسب الدراسة، أن تفهم الشركات متى لا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي. فهذه القدرة تعد من أصعب المهارات التي يمكن بناؤها داخل الفرق، لأنها تتطلب تقديراً للمخاطر وليس فقط معرفة تشغيلية بالأداة.
الحوكمة والتدريب عنصران حاسمان
تشير النتائج إلى أن الشركات الناجحة في هذا المجال لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد أداة تقنية، بل كتحول في طريقة العمل. لذلك فإنها تضع سياسات واضحة، وتعيد تقييمها بشكل متواصل، وتمنح الموظفين بيانات تساعدهم على قياس أدائهم وفهم أثر الاستخدام.
وفي هذا السياق، يصبح القياس مرتبطاً بجودة العمل وكفاءته ومشاركة الموظفين، لا بمجرد مراقبة الاستخدام. الفكرة هنا ليست التتبع من أجل التتبع، بل توفير تغذية راجعة تساعد الفرق على تحسين ممارساتها وتحديد ما إذا كانت الأداة تضيف قيمة حقيقية أم عبئاً إضافياً.
كما تبرز أهمية أن يرى الموظفون القادة التنفيذيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل عملي وشفاف، بما في ذلك الاعتراف بالنجاحات والإخفاقات. فهذه الشفافية تساهم في خلق بيئة تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءاً من التعلم المؤسسي، لا مجرد شعار داخلي.
الذكاء الاصطناعي كمعلّم داخل بيئة العمل
من اللافت أيضاً أن كثيراً من العاملين باتوا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي نفسه لتعلّم كيفية استخدامه، ويفضلونه أحياناً على قنوات التدريب التقليدية. ويعكس ذلك تغيراً في طبيعة التعلم المهني، خاصة مع انتشار الأدوات منخفضة التعقيد التي يمكن دمجها مباشرة في سير العمل اليومي.
لكن هذا التحول لا يعني أن الحل في المزيد من الأتمتة فقط. فكلما توسع استخدام الأنظمة، ازداد الاحتياج إلى فهم كيفية عملها، وما الذي يمكن أن تنجزه، وما الذي يجب أن يبقى ضمن القرار البشري. وفي غياب هذا التوازن، قد يتحول الذكاء الاصطناعي من عامل تسريع إلى مصدر جديد للفوضى التشغيلية.
الخلاصة التي ترسمها الدراسة واضحة: القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات لا تقاس بعدد الساعات التي يوفرها على الورق، بل بمدى قدرته على تقليل العمل المحيط به، لا تكبيره. فالمستقبل الأكثر نضجاً لا يبدو فيه الإنسان مراقباً دائماً للآلة، بل شريكاً يعرف متى يستخدمها ومتى يوقفها.