الذكاء الاصطناعي والتقنية 24-Mar-2026 6 دقائق قراءة

دراسة: 96% من المتخصصين في التقنية يستخدمون الذكاء الاصطناعي لكن الاستخدام العميق لا يزال محدوداً

تكشف دراسة عالمية جديدة أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً شبه ثابت من عمل فرق البيانات وتقنية المعلومات، لكن الاعتماد اليومي المكثف لا يزال أقل بكثير من مستوى الانتشار العام، وسط تحديات في تفسير المخرجات وجودة البيانات والحوكمة.

الذكاء الاصطناعي أصبح أداة يومية لدى معظم فرق التقنية

أظهر استطلاع عالمي جديد شمل 700 محلل بيانات و700 من قادة تقنية المعلومات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة جانبية داخل المؤسسات، بل تحول إلى جزء شبه ثابت من سير العمل. ووفق النتائج، فإن 96% من المشاركين قالوا إنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في مهامهم المهنية، ما يعكس انتشاراً واسعاً للتقنية في بيئات العمل الرقمية.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فرغم هذا الانتشار الكبير، لا يمكن وصف الاستخدام بأنه عميق أو مكثف لدى الجميع. فحوالي نصف المشاركين فقط، أي 49%، قالوا إنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي دائماً أو في معظم الوقت. هذا يعني أن كثيرين ما زالوا يعتمدون عليه بشكل متقطع، غالباً كطبقة إضافية فوق الأدوات والعمليات التقليدية.

وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يستبدل بعد طرق العمل القديمة، بل أصبح يندمج معها تدريجياً. وما تزال الجداول الإلكترونية، وأدوات ذكاء الأعمال، ومنصات إعداد البيانات حاضرة بقوة في المشهد اليومي للمحللين والفرق التقنية.

الذكاء الاصطناعي الوكيلي يكتسب زخماً سريعاً

من أبرز ما كشفه الاستطلاع أن ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، أو الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام متعددة بشكل شبه مستقل، يواصل جذب اهتمام كبير داخل الشركات. نحو 59% من المشاركين يتوقعون أن يكونوا قد بدأوا فعلياً باستخدام هذه الأنظمة خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

كما أبدى أكثر من نصف المشاركين استعدادهم لمنح هذه الوكلاء وصولاً غير مقيّد إلى البيانات، وهي نقطة لافتة لأنها تعكس ثقة مرتفعة في قدرة الأنظمة الجديدة على تنفيذ المهام. في المقابل، قال 44% فقط إن الإشراف البشري يجب أن يكون جزءاً أساسياً من هذا النوع من الوصول، ما يشير إلى فجوة محتملة بين الرغبة في الأتمتة ومتطلبات التحكم والمساءلة.

هذا التوجه يوضح أن الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي الوكيلي كمرحلة تالية من التطور، لا مجرد أداة لإنتاج النصوص أو تلخيص المعلومات. الفكرة باتت ترتبط بأتمتة قرارات تشغيلية متكررة، وتوزيع المهام، ومتابعة الأداء، والتنبيه على المشكلات قبل تفاقمها.

أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي الوكيلي شيوعاً

بيّن الاستطلاع أن أكثر التطبيقات انتشاراً في الوقت الراهن تتركز في المهام الإدارية والتحليلية المتكررة، وليس في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المعقدة. وفيما يلي أبرز الاستخدامات التي سجلت حضوراً أكبر داخل المؤسسات:

  • صياغة الرسائل الموحدة أو الملخصات الموجهة لأصحاب المصلحة: 59%
  • جدولة المهام أو توجيهها، مثل فرز التنبيهات وأتمتة العمليات: 54%
  • إنشاء تقارير أو لوحات معلومات قياسية من دون تدخل يدوي: 48%
  • مراقبة مؤشرات الأداء وإطلاق تنبيهات أو إجراءات تلقائية: 45%
  • تنظيف مجموعات البيانات أو معالجتها مسبقاً أو التحقق من صحتها: 45%
  • إجراء تحليلات إحصائية روتينية أو نماذج تنبؤية أساسية: 34%
  • استخراج رؤى أو توصيات تلقائياً من البيانات: 23%

هذه الأرقام تؤكد أن القيمة الحالية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات تكمن في تسريع الأعمال المتكررة وتقليل الجهد اليدوي، أكثر من كونه بديلاً كاملاً عن الخبرة البشرية أو القرار التنفيذي.

تنظيف البيانات لا يزال يستهلك وقتاً كبيراً

رغم الحديث المتزايد عن النماذج المتقدمة والأتمتة الذكية، ما تزال الأعمال الأساسية المتعلقة بالبيانات تستهلك وقتاً كبيراً من المحللين. ووفقاً للدراسة، يقضي المشاركون ما يقرب من ست ساعات أسبوعياً في أعمال تأسيسية مثل تنظيف البيانات وتجهيزها قبل إدخالها إلى الأنظمة أو استخدامها في التحليلات.

وقال 48% من المشاركين إنهم يمضون بين ست وعشر ساعات أسبوعياً في هذه المهام. أما الأدوات الأكثر استخداماً لهذا الغرض، فتصدرتها الجداول الإلكترونية بنسبة 61%، تلتها أدوات ذكاء الأعمال بنسبة 56%، ثم منصات إعداد البيانات المخصصة بنسبة 51%.

ويعكس هذا التوزيع حقيقة مهمة: الذكاء الاصطناعي يعمل فوق بنية قديمة من العمليات الأدوات، وليس بديلاً فورياً عنها. فالمؤسسات ما زالت تعتمد على خطوات بشرية مكثفة قبل أن تبدأ أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج أي قيمة ملموسة.

وبعبارة أخرى، لا تأتي سرعة الذكاء الاصطناعي من فراغ. فكل إجابة جيدة أو توصية دقيقة غالباً ما تبدأ ببيانات نظيفة ومنظمة وجاهزة للاستخدام، وهو ما يجعل العمل غير المرئي خلف الكواليس أحد العناصر الحاسمة في نجاح أي مشروع تقني.

الفجوة الأكبر ليست في النماذج بل في تفسير المخرجات

عندما سُئل المشاركون عن أكبر العوائق أمام توظيف الذكاء الاصطناعي في القرارات العملية، جاءت الإجابة مرتبطة بالشرح والتفسير أكثر من الجانب التقني البحت. إذ قال 55% إنهم يواجهون صعوبة في تفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي أو شرحها لصناع القرار داخل المؤسسة.

وجاءت قلة المهارات التحليلية لدى مستخدمي الأعمال في المرتبة التالية بنسبة 54%، ثم ضعف جودة البيانات أو غياب تكاملها وحوكمتها بنسبة 50%. كما أشار 49% إلى غياب الوضوح بشأن المسؤولية عن القرارات، بينما رأى 45% أن القيود التقنية في الأدوات أو البنية التحتية ما زالت تمثل عائقاً مهماً.

هذه النتائج توضح أن التحدي في مرحلة النضج الحالية للذكاء الاصطناعي ليس فقط في بناء النماذج، بل في جعلها مفهومة وموثوقة وقابلة للمساءلة. فالمؤسسات لا تحتاج إلى مخرجات سريعة فقط، بل إلى مخرجات يمكن الدفاع عنها أمام الفرق الإدارية والمالية والقانونية.

التحقق من النتائج صار مهارة مطلوبة في عصر الذكاء الاصطناعي

من النقاط اللافتة أيضاً أن المحللين لا يكتفون باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل يقضون وقتاً إضافياً في مراجعة ما ينتجه. الدراسة تشير إلى أن المشاركين يمضون نحو أربع ساعات أسبوعياً في التحقق من المخرجات أو تصحيحها.

وبالنسبة إلى واحد من كل ستة مشاركين تقريباً، فإن الوقت المخصص لهذه المهمة قد يصل إلى ست ساعات أو أكثر أسبوعياً، أي ما يعادل تقريباً يوم عمل كامل. وعند إضافة وقت إعداد البيانات الأساسي إلى وقت المراجعة والتصحيح، تصبح كلفة الذكاء الاصطناعي الزمنية قريبة من يومين أسبوعياً من وقت المحترف.

ورغم أن هذا يبدو عبئاً إضافياً، فإنه يكشف في الوقت نفسه عن مهارة جديدة تزداد أهميتها: القدرة على تدقيق مخرجات الذكاء الاصطناعي. فالقيمة لا تكمن في إنتاج الإجابة فقط، بل في اختبار دقتها وسياقها وحدودها قبل استخدامها في القرار.

وتنتهي الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي بات جزءاً من العمل اليومي بالفعل، لكن نجاحه في المؤسسات ما زال مرهوناً بعناصر تقليدية لا غنى عنها: بيانات نظيفة، إشراف بشري، ومهارات تحليلية قادرة على تحويل المخرجات إلى قرارات قابلة للتنفيذ.