الذكاء الاصطناعي والتقنية 12-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الرئيس التنفيذي لأنثروبيك يدعو إلى تنظيمات شبيهة بـ FAA لإطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي القوية

دعا داريـو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، إلى إطار تنظيمي جديد لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يحاكي قواعد السلامة في قطاع الطيران ويشمل اختبارات إلزامية وحوافز اقتصادية لمعالجة مخاطر الأمن السيبراني وتأثيرات سوق العمل.

أعاد الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة أنثروبيك، داريـو أمودي، فتح النقاش حول كيفية ضبط انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي الأقوى في السوق، عبر دعوة صريحة إلى إطار تنظيمي جديد يضع السلامة العامة قبل سرعة الإطلاق. وفي مقال مطوّل بعنوان «سياسة الذكاء الاصطناعي الأُسّي»، شبّه أمودي الطريقة التي يجب أن تُعامل بها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بما يحدث في قطاع الطيران المدني، حيث لا يُسمح للطائرات بالإقلاع قبل المرور باختبارات صارمة وتدقيقات إلزامية.

الموقف الجديد لا يقتصر على خطاب سياسي عام، بل يأتي متزامناً مع طرح الشركة لنماذج وقدرات أكثر تقدماً، ما يضع الصناعة بأكملها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي من دون فتح الباب أمام مخاطر أمنية أو اجتماعية أو اقتصادية يصعب احتواؤها لاحقاً؟

كما أعلنت أنثروبيك عن مسارين سياسيين متكاملين: الأول يركز على المخاطر القصوى المرتبطة بالنماذج المتقدمة، والثاني يضع تصوراً للتعامل مع تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وسوق العمل، مع تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لدعم هذه الجهود.

تشبيه الذكاء الاصطناعي بالطيران المدني

جوهر طرح أمودي يقوم على فكرة أن النماذج الأكثر تقدماً لا ينبغي أن تُعامل كمنتجات برمجية عادية تُطلق بسرعة ثم يُنتظر رد الفعل من السوق أو المستخدمين. وبدلاً من ذلك، يرى أن أي نموذج يقع ضمن فئة «الحدود الأمامية» للذكاء الاصطناعي يجب أن يخضع لاختبارات تقنية وتقييمات مستقلة قبل الإتاحة العامة، تماماً كما تخضع الطائرات وسلامتها لمعايير الجهات التنظيمية.

وبحسب الإطار المقترح، فإن النماذج التي تتطلب موارد تدريب ضخمة للغاية، أو التي تطورها شركات تحقق إيرادات أو استثمارات بحثية هائلة في الذكاء الاصطناعي، يجب أن تمر بمراجعات إلزامية من طرف ثالث. وإذا أظهرت النتائج مخاطر كبيرة في مجالات مثل الأسلحة البيولوجية أو الهجمات السيبرانية أو الاستقلالية غير المنضبطة، فسيكون للجهات الحكومية الحق في تأخير الإطلاق أو منعه.

هذه المقاربة تعكس تحوّلاً لافتاً في تفكير بعض رواد الصناعة: فبدلاً من الاكتفاء بمبادئ الشفافية الطوعية أو الإفصاح اللاحق، يجري الدفع باتجاه رقابة استباقية تُبنى على الاختبار والتحقق قبل الانتشار الواسع.

ماذا يعني ذلك للشركات المعتمدة على النماذج الكبرى؟

بالنسبة للشركات التي تعتمد على واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بالنماذج الأساسية في منتجاتها أو عملياتها الداخلية، فإن الرسالة واضحة: زمن الاعتماد الكامل على مزود واحد قد يصبح أكثر مخاطرة مما كان عليه. فإذا قررت جهة تنظيمية إيقاف إطلاق نموذج جديد، أو إذا ظهرت في اختبار ما بعد الإطلاق ثغرة تتعلق بالسلامة أو السلوك التلقائي، فقد تجد الشركات نفسها أمام تأخير غير متوقع أو حتى سحب جزئي للقدرات المستخدمة.

هذا السيناريو يفرض على مسؤولي التقنية والهندسة في المؤسسات التفكير في بنية متعددة النماذج، بحيث يمكن التحول بين أكثر من مزود أو أكثر من إصدار من دون تعطّل العمليات. كما أن إدارة المخاطر لم تعد مقتصرة على الأداء أو التكلفة، بل أصبحت تشمل استمرارية الوصول إلى النموذج نفسه ضمن بيئة تنظيمية قد تتغير بسرعة.

الاستنتاج العملي هنا أن الاستراتيجية التقنية المستقبلية ستحتاج إلى قدر أكبر من المرونة. فالمؤسسات التي تربط تطبيقاتها الحساسة بنموذج واحد فقط قد تواجه اضطراباً مفاجئاً إذا فرضت السلطات متطلبات اعتماد جديدة أو قيوداً على الإطلاق.

الأمن السيبراني يصبح جزءاً من معادلة البنية التحتية

الجانب الثاني في موقف أنثروبيك يتعلق مباشرة بالأمن السيبراني. فالشركة تربط بين صعود قدرات النماذج المتقدمة وبين تسارع التهديدات الرقمية، مشيرة إلى أن بعض النماذج باتت قادرة على اكتشاف ثغرات أمنية عالية الخطورة في أنظمة تشغيل ومنصات واسعة الانتشار. وفي هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة دفاعية أو مساعد برمجي، بل أصبح عنصراً يمكن أن يعيد تشكيل ميزان القوة بين المهاجمين والمدافعين.

الإطار المقترح يطلب من مطوري النماذج المتقدمة حماية أوزان النماذج من الاختراق الخارجي ومن التهديدات الداخلية في الوقت نفسه. كما يدعو إلى وضع قنوات واضحة للإبلاغ عن محاولات «استخلاص النموذج» أو نسخه بطريقة غير مشروعة، وهي ممارسات تهدف إلى بناء نسخ أرخص أو أقل التزاماً من نموذج أصلي قوي.

بالنسبة للشركات، يعني ذلك أن تشغيل النماذج داخلياً أو تخصيص نماذج مفتوحة المصدر لن يكون مهمة هندسية فقط، بل مهمة حوكمة وأمن معلومات أيضاً. فالمؤسسات التي تبني خدماتها على نماذج متقدمة ستحتاج إلى التعامل مع هذه النماذج باعتبارها أصولاً حساسة للغاية، أقرب إلى البنية التحتية الحرجة منها إلى الأدوات البرمجية التقليدية.

كما أن الاستثمار في الدفاعات الآلية والرقابة على سلسلة تطوير النماذج قد يصبح شرطاً أساسياً، لا خياراً إضافياً، إذا أرادت الشركات مواكبة المخاطر الناشئة من استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجوم والتحليل والاستطلاع الرقمي.

الذكاء الاصطناعي والوظائف: من الكفاءة إلى الإزاحة الهيكلية

الجزء الثالث من الخطة السياسية لأنثروبيك يذهب أبعد من السلامة والأمن، ليتناول الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي على العمل. فالشركة تتحدث بوضوح عن احتمال أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عام للعمل البشري في عدد من القطاعات، وليس مجرد أداة لرفع الإنتاجية أو تقليل المهام الروتينية.

وتستند الشركة في هذا الطرح إلى فكرة أن التحدي الأساسي في هذا السيناريو لن يكون فقط تحفيز النمو، بل ضمان توزيع منافع هذا النمو على نطاق أوسع. ولهذا أعلنت عن التزام بقيمة 350 مليون دولار لدعم أبحاث وسياسات تتعامل مع التحولات المستقبلية في سوق العمل، إضافة إلى برامج زمالة ومبادرات بحثية على المستوى الوطني.

الإطار الاقتصادي الذي تقترحه الشركة يستعد لاحتمالات متعددة، من ارتفاع محدود في البطالة إلى مستويات أكبر بكثير إذا تسارعت وتيرة الأتمتة. وتُطرح ضمن هذا السياق أفكار مثل التأمين على الأجور، والدخل الأساسي الشامل، ونماذج الثروة السيادية، كأدوات لتخفيف الصدمة التي قد تصيب العمال والاقتصادات المحلية.

بالنسبة للشركات، فإن الدرس المباشر هو أن خطط إدماج الذكاء الاصطناعي يجب ألا تُبنى على منطق التقليص السريع للوظائف فقط. فالاستخدام الواسع لهذه الأدوات قد يثير أسئلة تنظيمية ومجتمعية وداخلية تتعلق بإعادة التدريب، وإعادة التوزيع، ومفهوم القيمة البشرية داخل المؤسسة.

ما الذي ينبغي على قادة التقنية فعله الآن؟

التحول الذي تقترحه أنثروبيك لا يعني أن التنظيم صار قريباً فحسب، بل يعني أيضاً أن الافتراضات التي حكمت سوق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية قد بدأت تتغير. فمرحلة إطلاق النماذج بسرعة ثم إصلاح المشكلات لاحقاً تبدو أقل قبولاً في بيئة تزداد فيها المخاوف من السلوك غير المتوقع والهجمات السيبرانية والتأثيرات الاقتصادية الواسعة.

ولهذا، يحتاج قادة التقنية في المؤسسات إلى إعادة تقييم ثلاثة مجالات أساسية. أولها هو الاعتماد على مورّد واحد، إذ لم يعد من الحكمة ربط البنية التشغيلية الحيوية بنموذج واحد قد يتعرض للتأخير أو المنع التنظيمي. وثانيها هو رفع مستوى أمن النماذج والبيئات التي تُدرّب أو تُستضاف فيها، باعتبارها أصولاً شديدة الحساسية. أما المجال الثالث فهو التخطيط المبكر لتحولات القوى العاملة، من خلال برامج إعادة التأهيل الوظيفي وتوسيع الأدوار بدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة اختزال تلقائي للتكاليف.

وفي المحصلة، تبدو رسالة أمودي موجهة إلى الحكومة والشركات في آن واحد: إذا كان الذكاء الاصطناعي المتقدم سيصبح جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية الجديدة، فإن قواعد السلامة والحوكمة والتوزيع العادل للمكاسب يجب أن تتطور بالسرعة نفسها، وربما قبلها بقليل.