البيانات أصبحت نقطة الحسم في الذكاء الاصطناعي المؤسسي
يؤكد دومينيك سارتوريو، نائب رئيس تسويق المنتجات في شركة دينودو، أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في المؤسسات انتقل سريعاً من سؤال: «ما الذي يستطيع النموذج فعله؟» إلى سؤال أكثر إلحاحاً: «هل البيانات التي يعتمد عليها النموذج موثوقة، محدثة، ومفهومة في سياق الأعمال؟»
هذا التحول، بحسب سارتوريو، يعكس واقعاً جديداً في السوق. فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على التحليل أو إنتاج الملخصات، بل بدأ يدخل في نطاق اتخاذ القرار وتنفيذ الإجراءات بشكل شبه مستقل. ومع هذا التوسع، لم تعد جودة النموذج وحدها كافية لضمان نتائج صحيحة؛ إذ يمكن لنظام ذكي أن ينتج استنتاجاً يبدو مقنعاً لكنه خاطئ إذا استند إلى بيانات ناقصة أو قديمة أو غير متسقة.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «البيانات الموثوقة» بوصفه طبقة تشغيلية لا غنى عنها، تشمل الاتساق، وتتبع المصدر، والأمان، والفهم الدلالي، والقدرة على الوصول إلى البيانات في الوقت المناسب.
لماذا تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي قبل الإنتاج؟
ترى دينودو أن كثيراً من مشاريع الذكاء الاصطناعي المؤسسي تتوقف عند مرحلة التجربة لأن الشركات تبني نماذج ناجحة داخل بيئات محدودة، ثم تحاول نقلها مباشرة إلى بيئة الأعمال الحقيقية من دون تأسيس بنية بيانات مناسبة. في المختبر أو في العرض التجريبي، تكون البيانات عادةً مختارة بعناية ومحددة سلفاً. أما في الواقع، فالمشهد مختلف تماماً: مصادر متفرقة، أنظمة قديمة، تطبيقات سحابية، مستودعات بيانات، ومنصات تشغيلية لا تتحدث اللغة نفسها.
ويشير سارتوريو إلى أن المشكلة ليست في النموذج وحده، بل في ما يسميه «فشل البنية»؛ أي أن الذكاء الاصطناعي يفشل لأن الطبقة التي تغذيه غير جاهزة للتعامل مع تعقيد المؤسسة. هذا يشمل التغير المستمر في قواعد العمل، ومتطلبات المراجعة، والرقابة، والأداء، والوصول المصرح به، وهي عناصر تصبح أكثر حساسية عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى نظام يتخذ قرارات أو يطلق عمليات تلقائياً.
وبهذا المعنى، فإن النجاح في الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يُقاس بعدد النماذج المستخدمة، بل بقدرة المؤسسة على ربط هذه النماذج بقاعدة تشغيلية صلبة وآمنة.
البيانات الحية شرط أساسي للوكلاء الأذكياء
أحد أبرز ما تطرحه دينودو هو أن الوكلاء الأذكياء يحتاجون إلى بيانات مباشرة أو شبه مباشرة حتى تكون تصرفاتهم ذات قيمة. فالوكلاء لا يكتفون بقراءة بيانات تاريخية لإصدار تقرير، بل قد يعتمدون عليها لاتخاذ قرار فوري أو تنفيذ إجراء في أنظمة متعددة. لهذا، فإن البيانات المتأخرة أو المنسوخة إلى بيئات أخرى قد تفقد صلاحيتها بسرعة.
وتوضح الشركة أن عدداً كبيراً من المؤسسات لا يزال يعتمد على نسخ البيانات إلى بحيرات بيانات أو مستودعات مركزية بهدف التحليل، لكن هذا النهج لا يلائم تماماً الذكاء الاصطناعي العامل في الزمن الحقيقي. فبمجرد نسخ البيانات، تصبح أقل ارتباطاً بالوضع التشغيلي الفعلي. أما بث البيانات باستمرار فيرفع التكلفة والتعقيد، خاصة عندما تكون المصادر كثيرة ومتنوعة.
من هنا تبرز قيمة أسلوب الإدارة المنطقية للبيانات، الذي يتيح الوصول إلى البيانات الحية عبر طبقة موحدة من دون الحاجة إلى نقل كل شيء إلى مكان واحد. هذا النهج، وفقاً لسارتوريو، يسمح للمؤسسات بالحفاظ على البيانات في أماكنها الأصلية مع تمكين الذكاء الاصطناعي من الوصول المنظم والمحكوم إليها عند الحاجة.
التجزئة الواسعة تفرض بنية معمارية جديدة
تلفت دينودو الانتباه إلى أن مشاريع الذكاء الاصطناعي المؤسسي باتت تعتمد على مئات مصادر البيانات، وقد يتجاوز العدد في بعض الحالات الألف مصدر. هذه الدرجة من التشتت تجعل من غير العملي محاولة جمع كل البيانات أولاً ثم بناء الذكاء الاصطناعي عليها. لذلك، تحتاج المؤسسات إلى طبقة تجريد ذكية تستطيع اكتشاف البيانات، دمجها، تنظيمها، وحمايتها، ثم تقديمها في شكل يمكن للأنظمة الذكية فهمه واستخدامه.
في هذا السياق، تصبح البنية المعمارية المطلوبة أكثر ميلاً إلى النماذج المنطقية والاعتماد على البيانات الوصفية والطبقات الدلالية، بدل الاعتماد الكامل على التجميع المادي للبيانات. الفكرة الأساسية هي أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج فقط إلى «الوصول» إلى البيانات، بل إلى الوصول إليها ضمن سياق يوضح معناها وعلاقتها ببقية عناصر المؤسسة.
وهنا يظهر دور الحوكمة المدمجة في بنية البيانات نفسها، بحيث لا تكون مجرد إضافة لاحقة، بل جزءاً من آلية الوصول والاستخدام منذ البداية.
الطبقة الدلالية الموحدة تمنع الأخطاء المنطقية
من النقاط التي تشدد عليها دينودو أيضاً أهمية التوافق الدلالي داخل المؤسسة. فحين تستخدم الأقسام المختلفة تعريفات متباينة لمفاهيم مثل «العميل» أو «الإيراد» أو «المخاطر» أو «معدل فقدان العملاء»، قد يبدو جواب الذكاء الاصطناعي صحيحاً من الناحية الشكلية، لكنه يكون خاطئاً من منظور العمل.
هذا الخلل يصبح أكثر خطورة عندما تنتقل الأنظمة الذكية من مجرد الاسترجاع إلى التنفيذ. فالوكلاء الأذكياء قد يفسرون البيانات بطريقة تؤدي إلى قرار تجاري غير مناسب أو إجراء غير صحيح إذا لم تكن المعاني متسقة بين الأنظمة. لذلك، ترى الشركة أن وجود طبقة دلالية موحدة يختصر كثيراً من المخاطر المرتبطة بسوء الفهم أو الاستنتاج المبني على تعريفات غير متطابقة.
بعبارة أخرى، لا يكفي أن يرى الذكاء الاصطناعي البيانات؛ يجب أن يفهمها بالطريقة نفسها التي تفهمها بها المؤسسة.
من التجارب المحدودة إلى التشغيل الكامل
يرى سارتوريو أن المؤسسات تميل أحياناً إلى التركيز على إثبات الفكرة بسرعة، فتنجح في بناء عرض توضيحي جميل أو تجربة أولية مقنعة، ثم تكتشف لاحقاً أن نقل المشروع إلى التشغيل الفعلي أصعب بكثير. السبب أن البيئة الحقيقية تتطلب مزيجاً من الحوكمة، والسرعة، والتدقيق، وإمكانية التتبع، والتكامل مع الأنظمة القائمة، وهي متطلبات لا تظهر كاملة في مرحلة التجربة.
كما أن الإنتاج الحقيقي لا يسمح بوجود بيانات منقوصة أو غير محدثة، لأن الخطأ هنا قد ينعكس على خدمة العملاء، والامتثال، والأمن، والعمليات الداخلية. لذلك، أصبحت القدرة على بناء ذكاء اصطناعي قابل للتوسع مرتبطة بالتصميم الكامل لمنظومة البيانات وليس فقط باختيار النموذج المناسب.
ويعتقد سارتوريو أن المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني منفصل ستواجه صعوبة في التقدم، بينما ستنجح المؤسسات التي تتعامل معه كجزء من استراتيجية بيانات وحوكمة ونموذج تشغيل متكامل.
مرحلة انتقائية جديدة في سوق الذكاء الاصطناعي
تشير رؤية دينودو إلى أن السوق يتجه نحو قدر أكبر من الانتقائية. فبعد موجة واسعة من التجارب، ستبدأ المؤسسات بمراجعة المشاريع التي لا تظهر قيمة واضحة أو لا تمتلك ضوابط مخاطر كافية. ومع ارتفاع التكاليف وتعقّد البيئات متعددة السحب والهجينة، لن تنجو إلا المشاريع القادرة على إثبات جدواها التشغيلية والمالية.
هذا يعني أن الوكلاء الأذكياء والنماذج التوليدية لن يكونا كافيين بمفردهما. إنما سيكون الفوز من نصيب الشركات التي تستطيع توفير البيانات المناسبة في الزمن المناسب، ضمن إطار حوكمة قابل للتوسع وطبقة دلالية متماسكة. وفي هذا التحول، تصبح البنية التحتية للبيانات هي العامل الفاصل بين الذكاء الاصطناعي الذي يبقى في المختبر، والذكاء الاصطناعي الذي يدخل قلب العمليات المؤسسية.
الخلاصة التي تطرحها دينودو واضحة: مستقبل الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن تصنعه النماذج وحدها، بل ستحسمه قدرة المؤسسات على بناء طبقة بيانات موثوقة، حية، ومفهومة، وقابلة للتدقيق.