أظهرت بيانات اقتصادية أميركية أن إنتاجية العمال تباطأت في الربع الأول بوتيرة أقوى من المتوقع، في وقت لا يزال فيه المسار العام للإنتاجية محافظاً على قدر من الصلابة، وسط آمال بأن تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الكفاءة خلال الفترة المقبلة.
وبحسب مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية، تراجع إنتاج القطاعات غير الزراعية، وهو المقياس الذي يعتمد على الناتج لكل ساعة عمل، بمعدل سنوي مُعدّل بالخفض بلغ 0.3 في المائة خلال الربع الأخير. ويُعد ذلك أضعف أداء منذ الربع الأول من عام 2025، مقارنة بتقدير سابق كان يشير إلى نمو قدره 0.8 في المائة.
وكانت توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت آراؤهم «رويترز» قد رجّحت مراجعة أقل حدة، عند 0.5 في المائة، ما يجعل القراءة الجديدة إشارة إلى تباطؤ أكثر وضوحاً من المتوقع في بداية العام.
وعلى أساس سنوي، ارتفعت الإنتاجية بنسبة 2.8 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 2.9 في المائة. كما أظهرت البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي نما بمتوسط 2.1 في المائة بين الربع الأخير من عام 2019 والربع الأول من عام 2026، ما يعكس استمرار النمو الحقيقي رغم التقلبات الدورية.
مراجعات أضعف للنمو وتكاليف عمل أقل من التقديرات السابقة
جاءت هذه القراءة بعد مراجعات اقتصادية خفضت تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول إلى 1.6 في المائة، بدلاً من 2 في المائة في القراءة السابقة. وفي الوقت نفسه، استقرت إنتاجية الربع الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر عند 1.6 في المائة دون تعديل.
وفي ما يخص كلفة التشغيل، ارتفعت تكاليف وحدة العمل، أي تكلفة العمالة لكل وحدة إنتاج، بنسبة 1.8 في المائة خلال الربع الأخير، مقارنة بتقدير سابق بلغ 2.3 في المائة. كما جرى تعديل نمو هذه التكاليف في الربع السابق إلى 2.1 في المائة بدلاً من 4.6 في المائة، ما يشير إلى أن ضغوط الأجور كانت أقل مما عكسه التقدير الأولي.
وكان محللون قد توقعوا زيادة تكاليف وحدة العمل بنسبة 2.5 في المائة، غير أن البيانات الفعلية جاءت أهدأ من ذلك. أما الأجور بالساعة فارتفعت 0.5 في المائة على أساس ربع سنوي، و3.3 في المائة على أساس سنوي، بعد زيادة سابقة بلغت 2.1 في المائة خلال الربع الأخير.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة الإنتاجية
ترى شريحة من الاقتصاديين أن تبني الشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يغير المعادلة خلال الأشهر والسنوات المقبلة، عبر رفع كفاءة العمليات وتقليل الوقت اللازم لبعض المهام، إلى جانب المساعدة في خفض نمو تكاليف العمالة على المدى المتوسط.
ويأتي هذا التوقع في سياق أوسع يشهد سباقاً بين الشركات الأميركية للاستثمار في أدوات الأتمتة والتحليلات المتقدمة والتطبيقات التوليدية، أملاً في تعويض الضغوط الناتجة عن ارتفاع الأجور وتباطؤ بعض الأنشطة التقليدية. وفي حال نجحت هذه الاستثمارات في التوسع داخل قطاعات الخدمات والتصنيع والتجزئة والتمويل، فقد تظهر آثارها في بيانات الإنتاجية المقبلة.
لكن انتقال هذه الفوائد إلى الأرقام الرسمية لا يحدث بسرعة دائماً، إذ يتطلب الأمر وقتاً حتى تتمكن المؤسسات من إعادة تنظيم سير العمل، وتدريب الموظفين، ودمج الأنظمة الجديدة في العمليات اليومية. لذلك، فإن تباطؤ الربع الأول لا ينفي احتمال تحسن الإنتاجية لاحقاً، بل يعكس مرحلة انتقالية أكثر من كونه تحولاً دائماً.
دلالات اقتصادية على سوق العمل والأسعار
تُعد الإنتاجية من أهم المؤشرات التي يتابعها الاقتصاديون لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على النمو دون توليد ضغوط تضخمية كبيرة. فكلما ارتفعت الإنتاجية، تمكنت الشركات من زيادة الناتج من دون الحاجة إلى رفع التكاليف بنفس الوتيرة، ما يمنحها هامشاً أكبر لتثبيت الأسعار أو الحد من ارتفاعها.
أما تباطؤ الإنتاجية، فيعني أن الشركات قد تحتاج إلى إنفاق أكثر للحصول على مستوى الإنتاج نفسه، وهو ما يضغط على الهوامش الربحية ويزيد حساسية الأسواق لأي مفاجآت في الأجور أو التوظيف. ولهذا السبب، تكتسب البيانات الأخيرة أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين وصناع القرار في آن واحد.
ورغم أن الزيادة في تكاليف وحدة العمل جاءت أقل من التقديرات الأولية، فإن استمرار نمو الأجور بالساعة يوحي بأن سوق العمل ما زال متماسكاً نسبياً، حتى لو ظهرت بعض إشارات التهدئة المحدودة في التوظيف أو في الطلب على العمالة.
قراءة أوسع لمستقبل الكفاءة في الاقتصاد الأميركي
البيانات الجديدة لا تقدم صورة سلبية بالكامل، بل تؤكد أن الاقتصاد الأميركي ما زال يتحرك ضمن نطاق يسمح بنمو معتدل، مع وجود عوامل قد تدعم الإنتاجية لاحقاً، وفي مقدمتها التحول الرقمي وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن تحقيق هذه المكاسب يتوقف على سرعة الاستثمار وجودته، وعلى قدرة الشركات على تحويل التقنيات الجديدة إلى نتائج تشغيلية ملموسة.
وفي الأشهر المقبلة، ستبقى أنظار الأسواق موجهة إلى مؤشرات الإنتاجية والأجور والتكاليف، باعتبارها أدوات أساسية لقياس مدى نجاح الشركات الأميركية في الجمع بين الكفاءة وضبط النفقات. كما سيظل الذكاء الاصطناعي أحد أكثر العوامل التي يراهن عليها المستثمرون لدفع موجة جديدة من النمو في الأعمال والاقتصاد الرقمي.