28-Jun-2026 5 دقائق قراءة

باكستان تطرح موازنة تقشفية جديدة تحت ضغط صندوق النقد وارتفاع كلفة الطاقة

تستعد باكستان لطرح موازنة 2026-2027 بخيار مالي متشدد يهدف إلى رفع الإيرادات وتقليص الإنفاق، في وقت تواجه فيه ضغوطاً من صندوق النقد الدولي وتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، مع إبقاء برامج الدعم النقدي للفئات الأشد فقراً.

موازنة جديدة بنبرة تقشفية

تتجه الحكومة الباكستانية إلى تقديم موازنة العام المالي 2026 - 2027 ضمن مسار مالي أكثر تشدداً، في محاولة لمعالجة اختلالات الموازنة وتعزيز الإيرادات العامة من دون توسيع الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة. ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار التزام إسلام آباد بمتطلبات برنامج الإنقاذ المرتبط بصندوق النقد الدولي، وهو ما يفرض عليها الجمع بين ضبط الإنفاق ورفع الحصيلة الضريبية.

وبحسب المعطيات المتداولة، سيعرض وزير المالية محمد أورنغزيب مشروع موازنة تصل قيمته إلى 17.1 تريليون روبية، أي ما يعادل نحو 61 مليار دولار. وتراهن الحكومة على أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تحسين أوضاع المالية العامة، حتى لو جاء ذلك على حساب وتيرة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

وتشير التقديرات إلى أن العبء الأكبر من الإجراءات سيقع على الموظفين والشركات المسجلة، بينما تسعى الحكومة إلى الإبقاء على برامج التحويلات النقدية الموجهة للفئات الفقيرة، بهدف الحد من أثر التضخم وتراجع القوة الشرائية.

ضغط صندوق النقد وحدود التوسع المالي

تتحرك باكستان داخل مساحة ضيقة من الخيارات، إذ تحتاج إلى إظهار التزام واضح تجاه صندوق النقد الدولي، وفي الوقت نفسه مواجهة تباطؤ اقتصادي وارتفاع في كلفة المعيشة. ويرى اقتصاديون أن الأولوية الحالية صارت لتثبيت المالية العامة، لا لتحفيز الطلب أو إطلاق موجة إنفاق تنموي جديدة.

وتواجه الحكومة تحدياً إضافياً يتمثل في تأخر التقدم في مسار الإصلاحات الهيكلية، خاصة في ما يتعلق بتوسيع القاعدة الضريبية. فجزء كبير من الاقتصاد الباكستاني ما زال يعمل خارج المنظومة الرسمية، ما يحد من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات بالاعتماد على القنوات التقليدية وحدها.

ويؤكد محللون أن الرهان على الاقتراض أو رفع الضرائب على الشرائح المنظمة وحدها لم يعد كافياً. فمع ارتفاع معدلات الضريبة على الشركات وتراجع القدرة الشرائية للأسر، تصبح الحاجة أكبر إلى إصلاحات أشمل تشمل القطاعات غير المسجلة، والزراعة، والتجارة غير الرسمية.

الطاقة والتضخم يعيدان الضغط على الاقتصاد

أحد أبرز العوامل التي تزيد المشهد تعقيداً هو ارتفاع أسعار النفط العالمية، وهو ما انعكس سريعاً على التضخم المحلي. فباكستان تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي صدمة في أسعار الخام أو اضطراب في الإمدادات القادمة من المنطقة.

ومع صعود تكاليف الطاقة، عادت معدلات التضخم إلى مستويات من خانتين بعد فترة من التراجع النسبي، الأمر الذي يضغط على الأسر ويزيد صعوبة تنفيذ سياسة مالية أكثر صرامة. كما أن هذه التطورات تنعكس على تكاليف النقل والإنتاج وسلاسل التوريد، بما يرفع تكلفة ممارسة الأعمال ويؤثر في تنافسية الشركات.

وتسعى الحكومة إلى خفض متوسط التضخم إلى 8.2 في المائة في العام المالي المقبل، مقارنة مع 11.7 في المائة في مايو الماضي، بينما تستهدف نمواً اقتصادياً عند 4.1 في المائة، وهو مستوى أعلى من التوقعات التي يضعها صندوق النقد الدولي. غير أن هذه الأهداف تبدو رهينة لمدى استقرار أسعار النفط وتراجع الضغوط الخارجية.

توسيع الإيرادات عبر الضرائب غير المباشرة

تضغط السلطات المالية على هيئة الإيرادات الفيدرالية لزيادة الحصيلة الضريبية بنسبة كبيرة في العام المقبل، في وقت تبدو فيه الأهداف الحالية نفسها مهددة بعدم الاكتمال. هذا التوجه يعكس قناعة رسمية بأن الإصلاح المالي لم يعد ممكناً من دون تحسين التحصيل وتشديد الرقابة على الامتثال الضريبي.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الاقتصاد الباكستاني لا يزال يعاني من ضعف كبير في القاعدة الضريبية الفعلية. فالمؤشرات المتاحة تظهر أن نسبة صغيرة فقط من السكان تقدم إقرارات تتضمن دخلاً خاضعاً للضريبة، بينما تبقى قطاعات مثل الزراعة والتجزئة والعقارات واسعة خارج المظلة الضريبية.

هذا الواقع يخلق معضلة مزدوجة: فالدولة تحتاج إلى موارد إضافية، لكن أي زيادة غير متوازنة في العبء الضريبي قد تضغط أكثر على الطبقة الوسطى والشركات الرسمية وتبطئ النشاط الاقتصادي. ولهذا يعتقد خبراء أن الحل المستدام لا يكمن في رفع الضرائب المباشرة فقط، بل في إصلاح الإدارة الضريبية وتوسيع قاعدة الامتثال.

خفض الإنفاق التنموي وتجميد المشاريع الجديدة

في جانب الإنفاق، تميل الحكومة إلى تشديد الرقابة على المشاريع التنموية. وقد أعلنت أنها لن تبدأ مشروعات جديدة خلال العام المقبل، باستثناء البرامج المرتبطة بالدفاع والأمن الداخلي. ويعكس هذا القرار رغبة واضحة في تجميد التوسع الاستثماري الحكومي إلى حين تحسين أوضاع المالية العامة.

ورغم هذا التوجه، يبدو أن السلطات حريصة على عدم المساس الواسع بشبكات الأمان الاجتماعي. لذلك تظل التحويلات النقدية للفئات محدودة الدخل جزءاً أساسياً من السياسة الحكومية، باعتبارها أداة لامتصاص جزء من أثر ارتفاع الأسعار ومنع اتساع الفقر خلال فترة التقشف.

كما جرى تأجيل تقديم الموازنة لمدة أسبوع، في إشارة إلى استمرار النقاشات مع صندوق النقد حول بعض التفاصيل المالية، بما في ذلك توزيع الموارد بين الحكومة الاتحادية والأقاليم. ويعكس ذلك أن القرار المالي لا ينفصل عن الحسابات السياسية والمؤسسية داخل البلاد.

أهداف طموحة في بيئة صعبة

تسعى باكستان إلى تحقيق فائض أولي في الموازنة يبلغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي المقبل، بعد استبعاد مدفوعات خدمة الدين. ويُعد هذا الهدف مؤشراً على رغبة الحكومة في إرسال رسالة طمأنة إلى الأسواق والمؤسسات الدولية بأنها ماضية في مسار الانضباط المالي.

غير أن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب مزيجاً من زيادة الإيرادات وتقليص النفقات واحتواء التضخم، وهي عناصر يصعب تحقيقها كلها في وقت واحد. فكلما ارتفعت كلفة الطاقة أو تراجع النمو أو تأخر توسيع القاعدة الضريبية، تقلّصت مساحة المناورة المتاحة أمام صانع القرار المالي.

لذلك تبدو الموازنة المرتقبة اختباراً جديداً لقدرة باكستان على موازنة متطلبات الاستقرار المالي مع الحاجة إلى حماية النشاط الاقتصادي. وفي بيئة تتسم بارتفاع الأسعار وضغوط التمويل وتحديات الإصلاح، ستبقى قدرة الحكومة على التنفيذ هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الموازنة ستخفف الاختلالات أم تكتفي بإدارتها مؤقتاً.