عززت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن» موقعها بوصفها أحد أبرز المحركات الداعمة للبنية اللوجستية في المملكة، بعدما ضخت استثمارات تتجاوز 553 مليون ريال خلال عام 2025، في مسار يهدف إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتوسيع الطاقة الاستيعابية للمناطق الصناعية واللوجستية.
وتعكس هذه الاستثمارات اتجاهاً واضحاً نحو بناء منظومة أكثر مرونة وتكاملاً، بما يتماشى مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، ومع الدور المتنامي للمملكة كمركز يربط حركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
توسع سريع في المساحات اللوجستية
ارتفعت المساحات اللوجستية المطورة داخل المدن الصناعية إلى أكثر من 16 مليون متر مربع، بمعدل نمو سنوي بلغ 35 في المائة. ويشير هذا النمو إلى تسارع واضح في الطلب على المواقع القريبة من خطوط الإمداد والموانئ والمطارات، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى مستودعات ومراكز توزيع أكثر تطوراً.
وتدير «مدن» اليوم شبكة واسعة تضم نحو 36 مدينة صناعية قائمة وتحت التطوير، إضافة إلى إشرافها على المجمعات والمدن الصناعية الخاصة. هذا الانتشار الجغرافي يمنح المستثمرين خيارات متعددة لإنشاء مشاريعهم بالقرب من الأسواق المحلية أو ممرات التصدير.
وتؤدي الهيئة دوراً يتجاوز إدارة الأراضي الصناعية التقليدية، إذ تعمل كممكّن استثماري يوفر بنية تحتية جاهزة وحلولاً لوجستية متقدمة، بما يدعم المصنعين ورواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة على حد سواء.
انسجام مع الاستراتيجيات الوطنية
يتحرك هذا التوسع ضمن إطار أوسع تقوده الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، ويدعمه برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية. والنتيجة هي تطوير منصات تجمع بين الاستخدام الصناعي واللوجستي، وتسهّل تدفق البضائع بين مناطق الإنتاج ومنافذ التصدير.
كما أسهم هذا المسار في تطوير أكثر من 13 مليون متر مربع إضافية، إلى جانب تدشين مدن صناعية جديدة في الطائف وعسير، وإطلاق منطقة لوجستية في الدمام. وشملت الحزمة كذلك تعزيز السعات الكهربائية بأكثر من 600 ميغاواط، وإنشاء ما يزيد على 700 مصنع ومنتج جاهز.
وتحمل هذه العناصر أهمية خاصة للشركات التي تبحث عن تقليص الزمن والتكلفة في التشغيل، إذ إن توفر البنية الأساسية والمرافق المساندة يختصر مراحل تأسيس الأعمال ويزيد جاذبية المواقع الصناعية للمستثمرين المحليين والأجانب.
مراكز توزيع ومستودعات وساحات شاحنات
وسعت «مدن» خلال السنوات الأخيرة نطاق الخدمات اللوجستية المتاحة داخل المدن الصناعية، لتشمل أراضي لوجستية متنوعة المساحات، ومراكز توزيع، ومستودعات لخدمات الغير، ومستودعات مبردة، وساحات حاويات، وساحات شاحنات متكاملة، إلى جانب وحدات التخزين الذاتي والساحات المفتوحة.
وبحسب المعطيات المتاحة، تحتضن الهيئة حالياً 23 مركزاً لوجستياً مفعلاً بمساحة إجمالية تتجاوز 34 مليون متر مربع. وتتيح هذه المنظومة للشركات العمل ضمن بيئة تشغيلية أقل كلفة وأكثر كفاءة، بفضل قربها من الموانئ والمطارات وتكامل الخدمات المساندة فيها.
وفي عام 2025 وحده، جرى تخصيص أراضٍ لوجستية في 18 مدينة صناعية بمساحة تتجاوز مليون متر مربع، وباستثمارات تزيد على 500 مليون ريال. وشملت هذه المشاريع مستودعات ومراكز توزيع وساحات شاحنات وخدمات لوجستية للغير، بما يعكس انتقال السوق السعودية إلى مرحلة أكثر نضجاً في إدارة التخزين والتوزيع.
مشروعات نوعية في جدة والأحساء والدمام
استقطبت المدن الصناعية عدداً من الاستثمارات النوعية التي تعكس اهتمام القطاع الخاص بالبنية اللوجستية السعودية. ومن بين هذه المشاريع تطوير مستودعات في «واحة مدن» بجدة على مساحة 40 ألف متر مربع باستثمارات بلغت 100 مليون ريال.
وفي المدينة الصناعية الثالثة بجدة، أنشأت شركة متخصصة في التغذية والإعاشة مركز توزيع على مساحة 18 ألف متر مربع، باستثمارات وصلت إلى 50 مليون ريال. كما دشنت شركة أخرى مشروعاً للخدمات اللوجستية للغير في المدينة الصناعية الأولى بالأحساء، في مؤشر على تنوع الأنشطة التي تستفيد من توسع البنية التحتية.
وشهدت مدينة الدمام كذلك مشروعات موجهة إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الحلول اللوجستية القريبة من الموانئ والأسواق الاستهلاكية الكبرى.
ربط مباشر بين الصناعة والموانئ
تولي «مدن» أهمية خاصة لربط المناطق الصناعية بالمنافذ البحرية والبرية، باعتبار ذلك عاملاً حاسماً في تقليص زمن الشحن وتحسين كفاءة النقل. ومن أبرز المشاريع في هذا المجال محطة قطار البضائع في المدينة الصناعية الثانية بالدمام، التي تربط المنطقة اللوجستية بميناء الملك عبد العزيز.
كما خصصت الهيئة عدداً من محطات الوقود داخل مدن صناعية متعددة، إلى جانب 14 ساحة شاحنات متكاملة الخدمات في مواقع مختلفة، ما يضيف طبقة تشغيلية مهمة تسهّل حركة النقل الثقيل وتدعم استمرارية العمليات اللوجستية.
وفي مكة المكرمة، جرى تخصيص عقود لوجستية لتنفيذ مواقف حافلات الدعم خلال مواسم الحج والعمرة داخل المدينة الصناعية الثانية، وهو مثال على قدرة البنية اللوجستية على خدمة القطاعات الموسمية ذات الضغط العالي.
التحول الرقمي يدخل صميم العمليات
لم تعد اللوجستيات في السعودية قائمة على التخزين والنقل فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالتحول الرقمي والأتمتة. وتبرز في هذا السياق استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والتقنيات الداعمة للثورة الصناعية الرابعة، بما يرفع دقة التتبع ويعزز سرعة اتخاذ القرار.
وتتبنى «مدن» حلولاً ذكية لإدارة العمليات داخل المدن الصناعية، مع توجه متزايد نحو «مصانع المستقبل» والاعتماد على الأنظمة الرقمية في مراقبة الحركة والموارد والخدمات. ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره ضرورياً لمواكبة نمو التجارة الإلكترونية وارتفاع الطلب على خدمات التوصيل السريع.
كما بدأت الهيئة في تنفيذ خطوات مرتبطة بالنقل المستدام، من بينها محطات لشحن المركبات الكهربائية داخل المدن الصناعية، في إشارة إلى أن مسار التوسع اللوجستي لا ينفصل عن أهداف الاستدامة وخفض الانبعاثات.
التجارة الإلكترونية تغيّر شكل الطلب
أصبح نمو التجارة الإلكترونية أحد أهم العوامل التي تدفع الاستثمار في الخدمات اللوجستية المتخصصة. فقد تجاوز عدد طلبات التوصيل في المملكة 290 مليون طلب خلال عام 2024، وهو رقم يعكس اتساع قاعدة المستهلكين المعتمدين على التسوق الرقمي وسرعة التسليم.
هذا التحول يرفع الطلب على المستودعات الذكية، ومراكز التوزيع، وسلاسل التبريد الخاصة بالأغذية والأدوية، والخدمات اللوجستية للغير. كما يخلق فرصاً أكبر أمام المستثمرين الذين يبحثون عن قطاعات ترتبط مباشرة بالنمو الاستهلاكي والتحول الرقمي.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تبدو الخدمات اللوجستية اليوم أحد أكثر القطاعات القادرة على دعم تنافسية المنتج السعودي، من خلال خفض التكاليف التشغيلية، وتسريع الوصول إلى الأسواق، وتحسين الاتصال بسلاسل الإمداد الدولية.
نحو مركز إقليمي لسلاسل الإمداد
تدل هذه التطورات على أن المملكة تتحرك بثبات نحو ترسيخ موقعها كمحور إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية. ويستند هذا المسار إلى مزيج من الاستثمار في البنية الأساسية، والتقنيات الرقمية، والربط بين الصناعة والنقل، وتوسيع قاعدة الخدمات المساندة.
ومع استمرار مشاريع «مدن» وتزايد اهتمام القطاع الخاص، تبدو البيئة السعودية مهيأة لمزيد من التوسع في التخزين الذكي، والخدمات اللوجستية المتخصصة، والمنصات القادرة على التعامل مع الطلب المتسارع من الصناعة والتجارة الإلكترونية معاً.
وبذلك، لا يقتصر أثر هذه الاستثمارات على تحديث المدن الصناعية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل طريقة انتقال السلع داخل المملكة وخارجها، في وقت تسعى فيه السوق السعودية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وارتباطاً بالتقنيات الحديثة.