28-Jun-2026 5 دقائق قراءة

قيود الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية تدفع الشركات الأوروبية إلى تنويع الموردين

تسارع شركات أوروبية كبرى إلى توزيع مخاطرها بين عدة مزودين للذكاء الاصطناعي، بعد أن أبرزت القيود الأمريكية على بعض الخدمات التوليدية هشاشة الاعتماد على مورد واحد، فيما تتجدد الدعوات إلى بدائل محلية أكثر سيطرة واستقلالية.

تدفع القيود المفروضة على بعض خدمات الذكاء الاصطناعي الأمريكية الشركات الأوروبية الكبرى إلى إعادة التفكير في طريقة بناء أنظمتها الرقمية، مع تسارع واضح نحو توزيع المخاطر بين أكثر من مزود والبحث عن بدائل محلية يمكن التحكم فيها بشكل أكبر.

هذه التطورات لم تعد نظرية. فقرارات تقييد الوصول إلى بعض النماذج، بما فيها إجراءات أمريكية حديثة طالت نماذج تابعة لشركة Anthropic، سلطت الضوء على نقطة ضعف أساسية لدى المؤسسات التي تعتمد على خدمات ذكاء اصطناعي ملكية تُقدَّم عن بُعد ولا يمكن تشغيلها بشكل مستقل داخل بنيتها التحتية الخاصة.

بالنسبة إلى شركات أوروبية تعمل في قطاعات الصناعة والاتصالات والبرمجيات، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بالأداء التقني وحده، بل أصبحت جزءاً من معادلة إدارة المخاطر والامتثال والمرونة التشغيلية. ولهذا السبب، تتجه عدة مؤسسات إلى اعتماد مزيج من النماذج الأمريكية والصينية والأوروبية، بدلاً من الارتهان لمورد واحد.

تنويع الموردين يصبح نهجاً عملياً

خلال مؤتمر VivaTech الأخير في باريس، قال مسؤولون تنفيذيون من شركات مثل سيمنس ورينو وأورانج وChapsVision إنهم يفضلون استراتيجية تنويع المصادر التقنية لتفادي أي انقطاع مفاجئ أو تغيير في شروط الوصول. هذا التوجه يعكس قناعة متنامية بأن الاستقرار في سوق الذكاء الاصطناعي لا يتحقق عبر الاعتماد على منصة واحدة.

سيمنس، على سبيل المثال، تستخدم مجموعة متنوعة من النماذج تشمل DeepSeek وQwen من Alibaba، إلى جانب Nemotron من Nvidia، إضافة إلى نماذج أخرى أمريكية وأوروبية. وفي هذا السياق، تقول الشركة إن الهدف هو الحفاظ على المرونة وتفادي أي اختناق تقني أو تجاري قد يربط أعمالها بمزود واحد فقط.

أما أورانج، فتؤكد أن بنيتها التحتية قادرة على تشغيل جميع النماذج المفتوحة، بما فيها النماذج الصينية، داخل خوادمها الخاصة. وتعتبر الشركة أن تشغيل النموذج داخل المنشأة يمنحها سيطرة أكبر على البيانات ويقلل من الاعتماد على مسارات الوصول الخارجية التي قد تتغير في أي وقت.

السيادة الرقمية بين الاستقلال والمرونة

تسعى مؤسسات الاتحاد الأوروبي منذ فترة إلى تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، انطلاقاً من مخاوف مرتبطة بالقدرة التنافسية المستقبلية للكتلة الأوروبية. وقد وضعت بروكسل حزمة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز قدرات أوروبا في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والاستقلال الرقمي.

لكن داخل الشركات نفسها، تُفسَّر السيادة الرقمية بطريقة أكثر عملية. فبحسب عدد من التنفيذيين، لا تعني السيادة الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي الكامل، بل تعني امتلاك خيارات متعددة والقدرة على تبديل المزودين عند الحاجة.

هذا الفهم ظهر بوضوح في تصريحات قيادات تقنية أوروبية شددت على أن المرونة هي العنصر الحاسم، وأن السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل في هذا القطاع قد يكون مكلفاً وغير واقعي في الوقت نفسه.

وتبقى أوروبا أقل زخماً من الولايات المتحدة والصين في فئة النماذج العامة متعددة الاستخدامات، إذ تظل شركة Mistral الفرنسية الاسم الأبرز في هذا المجال. وفي المقابل، حققت شركات أوروبية أخرى مثل DeepL مكانة قوية في مجالات أكثر تخصصاً، مثل الترجمة.

سوق منقسم بين النماذج المفتوحة والملكية

ينقسم سوق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إلى فئتين أساسيتين: نماذج مفتوحة المصدر أو مفتوحة الأوزان، يمكن تشغيلها محلياً على خوادم الشركات، ونماذج ملكية تُستخدم عن بُعد وتبقى تحت سيطرة الجهة المطورة.

هذا الانقسام له أثر مباشر على الشركات الكبرى. فالنماذج المفتوحة تمنح قدراً أكبر من التحكم، بينما توفر النماذج الملكية في كثير من الأحيان أداءً متقدماً وسهولة في الاستخدام، لكنها تترك المؤسسة عرضة لتغييرات الأسعار أو القيود التنظيمية أو تعديلات الوصول.

من وجهة نظر بعض مزودي الخدمات السحابية الأوروبيين، لا تبدو النماذج المفتوحة الأوروبية حتى الآن بالمستوى الذي يحقق منافسة كاملة مع نظيراتها الأمريكية أو الصينية. ومع ذلك، ترى هذه الشركات أن الفجوة قابلة للتقليص إذا استمر الاستثمار في البنية التحتية والبحث والتطوير.

التكلفة تتحول إلى عامل ضغط جديد

إلى جانب مسألة السيادة، تظهر التكلفة اليوم كعامل لا يقل أهمية. فمع انتقال الشركات إلى أنظمة تعتمد على وكلاء برمجيين ينفذون المهام تلقائياً، ترتفع رسوم الاستخدام المرتبطة بعدد الوحدات النصية المعالجة، أو ما يُعرف بتكلفة التوكنات.

وتشير شركات أوروبية إلى أن هذا البند قد يصبح خلال فترة قصيرة محوراً أساسياً في قرارات الإنفاق التقني. فكلما توسعت استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، زادت الحاجة إلى مراقبة الاستهلاك وتقدير الفاتورة التشغيلية بدقة أكبر.

وتحذر شركات مثل أورانج من أن بعض المؤسسات قد تجد نفسها أمام فواتير مرتفعة إذا لم تُحسن ضبط الاستخدام أو إذا اعتمدت على نماذج تستهلك كمية كبيرة من البيانات للوصول إلى المخرجات المطلوبة.

وتؤكد رينو أنها تعمل مع مزودين عدة، من بينهم Google وMicrosoft وMistral وDeepSeek وDataiku، مع استخدام نماذج مفتوحة وأخرى ملكية في الوقت نفسه. وتقول الشركة إن ارتفاع تكلفة التوكنات دفعها إلى إعادة النظر في أسلوب الدمج بين هذه الأدوات داخل عملياتها.

البنية التحتية تسبق نشر الوكلاء الذكيين

يرى بعض خبراء البرمجيات أن الشركات تحتاج أولاً إلى بناء بنية تحتية توفر للذكاء الاصطناعي سياقاً كافياً حول كيفية عمل الأعمال الداخلية، قبل الانتقال إلى مرحلة نشر الوكلاء الذكيين بصورة واسعة. فغياب هذا السياق يعني أن النموذج سيضطر إلى استنتاج كل معلومة من البيانات الخام، ما يرفع التكاليف ويقلل الكفاءة.

هذا الجانب مهم خصوصاً في القطاعات الصناعية واللوجستية والمالية، حيث تتطلب القرارات الدقيقة فهماً عميقاً للعمليات والقيود التشغيلية. ومن دون هذا الفهم، قد تتحول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أدوات مكلفة أكثر من كونها محركاً حقيقياً للإنتاجية.

بالنسبة إلى شركات مثل ChapsVision، فإن السيادة تعني قبل كل شيء امتلاك بديل موثوق وجاهز إذا توقف أحد المزودين الرئيسيين عن الخدمة أو تغيرت شروط الاستخدام. وتعمل الشركة بالفعل مع مزيج من النماذج يشمل Mistral وAnthropic وOpenAI وQwen، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز القدرة على الاستمرار.

الاتجاه الأوروبي: تنوع أكبر لا عزلة أكبر

الخلاصة التي تتقاطع عندها آراء معظم الشركات الكبرى في أوروبا هي أن الاستقلال الرقمي لا يعني الانفصال عن السوق العالمية، بل بناء منظومة أكثر تنوعاً وقدرة على امتصاص الصدمات. وفي سوق يتغير بسرعة، يبدو أن الخيار العملي هو الجمع بين عدة مزودين، وتطوير البنية المحلية، ومراقبة الكلفة، والحفاظ على هامش مناورة تقني لا يهدده قرار واحد من جهة خارجية.

ومع استمرار القيود على بعض الخدمات وارتفاع المخاوف بشأن التكلفة والاعتماد المفرط، يُرجح أن يزداد الطلب الأوروبي على حلول الذكاء الاصطناعي القابلة للتشغيل محلياً وعلى النماذج التي تمنح الشركات مزيداً من السيطرة على بياناتها وعملياتها. هذا المسار قد لا يلغى هيمنة اللاعبين الكبار، لكنه يعيد رسم طريقة تعامل أوروبا معهم.