تنطلق أعمال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي هذا الأسبوع في دورة جديدة تعكس استمرار أهمية الحدث بوصفه منصة تجمع بين السياسة والاقتصاد والاستثمار. وتنعقد الفعاليات بين 3 و5 يونيو، مع برنامج حافل يشمل جلسات عامة وحوارات ثنائية واجتماعات أعمال يشارك فيها مسؤولون حكوميون وممثلو قطاعات اقتصادية من عدد كبير من الدول.
وبحسب المعطيات المعلنة، يشارك في المنتدى هذا العام قادة ومسؤولون من نحو 76 دولة، في مؤشر على اتساع نطاق الحضور الدولي رغم التوترات الجيوسياسية والتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. ويضم هذا الحضور شخصيات بارزة من مستويات مختلفة، من رؤساء دول ونواب رؤساء ووزراء، إضافة إلى ممثلين عن مؤسسات اقتصادية وهيئات حكومية.
حضور دولي رفيع في الجلسة العامة
من بين الأسماء الأبرز المشاركة في الجلسة العامة المقررة في 5 يونيو، رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيايف، ورئيسة تنزانيا سامية حسن، ونائب الرئيس الصيني هان تشنغ، ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود. ومن المتوقع أن يقدم هؤلاء كلمات تتناول ملفات اقتصادية وتنموية وتعاوناً دولياً في مجالات متعددة.
وتكتسب الجلسة العامة أهمية خاصة لأنها تشكل عادة اللحظة المركزية في المنتدى، حيث تعرض فيها المواقف السياسية والاقتصادية الكبرى، وتُستحضر فيها اتجاهات التجارة والاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد، إلى جانب فرص الشراكة بين الاقتصادات الناشئة والكبرى.
كما يُنتظر أن يخاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحضور خلال الجلسة نفسها، في إطار تقليد سنوي يربط المنتدى بملفات الاقتصاد الروسي والانفتاح على الشركاء الدوليين. وتبدأ الفعاليات رسمياً في 3 يونيو، على أن يقام الافتتاح الرسمي في اليوم التالي.
السعودية في موقع ضيف الشرف
تحضر السعودية هذا العام بصفة ضيف شرف، وهو ما يمنح مشاركتها وزناً إضافياً داخل أجندة المنتدى. ويضم الوفد السعودي عدداً من المسؤولين البارزين، من بينهم وزير الصناعة بندر بن إبراهيم الخريف ووزير النقل والخدمات اللوجستية صالح بن ناصر الجاسر، إلى جانب نحو 200 ممثل عن الوكالات والمؤسسات الرئيسية في المملكة.
ويعكس هذا التمثيل الكبير الاهتمام بتوسيع مسارات التعاون بين الرياض وموسكو، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والاستثمار. كما يشير إلى رغبة الطرفين في إبراز البعد الاقتصادي للعلاقات الثنائية من خلال لقاءات مباشرة بين الشركات والجهات الرسمية.
وأشار مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إلى أن الوفد السعودي يضم عدداً من الشخصيات الاقتصادية المهمة، وأن البرنامج المشترك يتضمن حواراً تجارياً روسياً سعودياً. وتُظهر هذه المشاركة أن المنتدى لا يقتصر على الجلسات الخطابية، بل يشكل أيضاً مساحة عملية لتبادل المصالح وبحث المشاريع المستقبلية.
مشاركة أمريكية تعود بعد سنوات
من التطورات اللافتة هذا العام أيضاً حضور وفد أمريكي رسمي للمرة الأولى منذ عدة سنوات، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية في آن واحد. ويرأس الوفد رودني كوك، رئيس لجنة الفنون الجميلة التابعة للإدارة الأمريكية، ما يفتح نافذة جديدة للمشاركة الأمريكية في المنتدى بعد غياب طويل.
ورغم أن طبيعة الوفد ليست اقتصادية بالمعنى التقليدي الضيق، فإن عودته إلى المنصة الدولية الروسية تحمل إشارات إلى بقاء قنوات الحضور والحوار قائمة بين موسكو وواشنطن في سياق متعدد الأطراف. وغالباً ما تُقرأ مثل هذه المشاركات على أنها مؤشر إلى رغبة في الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل المؤسسي في مرحلة تتسم بتعقيدات عالمية واسعة.
دلالات اقتصادية تتجاوز العناوين السياسية
يأتي المنتدى في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزامنة تشمل تقلبات أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو في بعض الأسواق، وتغيرات في خريطة التجارة الدولية. لذلك يكتسب أي تجمع بهذا الحجم أهمية خاصة، لأنه يتيح للدول والشركات اختبار فرص التعاون خارج الأطر التقليدية، والبحث عن تحالفات اقتصادية جديدة أو توسيع الشراكات القائمة.
وفي هذا السياق، يبدو الحضور من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط جزءاً من مشهد أوسع يعكس تحوّل مراكز الثقل الاقتصادي نحو مزيد من التعددية. كما أن مشاركة السعودية بوفد موسع، إلى جانب شخصيات من الصين وتنزانيا وأوزبكستان، تعزز صورة المنتدى كمنصة تجمع اقتصادات متباينة لكنها تبحث عن أرضية مشتركة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتجارة.
أما على مستوى الرسائل، فإن المنتدى يبعث بإشارة واضحة إلى أن الدبلوماسية الاقتصادية لا تزال أداة فعالة في بناء العلاقات بين الدول، حتى في الفترات التي تتراجع فيها قنوات الحوار السياسي المباشر. ومن هنا تأتي أهمية الجلسات الجانبية واللقاءات الثنائية التي غالباً ما تكون أكثر تأثيراً من الكلمات الرسمية على المنصة.
ما الذي يلفت الأنظار في نسخة هذا العام
اللافت في هذه الدورة ليس فقط عدد الدول المشاركة، بل أيضاً تنوع مستوى التمثيل بين رؤساء دول ونواب رؤساء ووزراء ومسؤولين اقتصاديين. كما أن استضافة السعودية بصفة ضيف شرف تضيف بعداً إضافياً إلى النقاشات المرتقبة حول الطاقة والصناعة والنقل والاستثمار المتبادل.
كذلك، فإن الحضور الأمريكي الرسمي بعد سنوات من الغياب يضفي على المنتدى بعداً رمزياً، حتى لو بقي محدوداً من حيث حجم الوفد. ومع تزايد الاهتمام العالمي بالتحولات الاقتصادية الكبرى، تبدو مثل هذه المنتديات أكثر ارتباطاً بقراءة مستقبل الأسواق وبناء قنوات تعاون جديدة بين الحكومات والقطاع الخاص.
وفي المجمل، يقدم منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي هذا العام صورة عن العالم كما هو الآن: اقتصاد متعدد الأقطاب، ومنافسة متصاعدة على الاستثمارات، ومساعٍ متواصلة لإيجاد مسارات تعاون تتجاوز التوترات السياسية. وبين هذه العناوين، تبرز المشاركة الواسعة بوصفها المؤشر الأهم على استمرار حاجة الدول إلى منصات تجمعها حول مصالح اقتصادية مشتركة.