هبوط حاد في إيرادات الطاقة
سجلت روسيا في مايو تراجعاً واضحاً في عائداتها من النفط والغاز، في إشارة جديدة إلى الضغوط التي تواجهها خزانة الدولة من تقلبات سوق الطاقة وتبدل مسارات التصدير. ووفق بيانات وزارة المالية الروسية، انخفضت الإيرادات بنسبة 20.7% على أساس شهري لتصل إلى 678.9 مليار روبل، أي ما يعادل 9.26 مليار دولار.
ويأتي هذا الهبوط بعد أن بلغت الإيرادات 855.6 مليار روبل في أبريل، ما يعكس فارقاً شهرياً كبيراً في أحد أهم مصادر التمويل للموازنة الروسية. وتُعد إيرادات النفط والغاز عنصراً محورياً في قدرة موسكو على تمويل الإنفاق العام وتغطية متطلبات الاقتصاد في ظل بيئة جيوسياسية معقدة.
ورغم أن الأرقام الشهرية قد تتأثر بعوامل سعرية وكمية وموسمية، فإن الانخفاض الأخير يسلط الضوء على هشاشة العائدات المرتبطة بالطاقة، خاصة مع استمرار الضغوط على أسواق التصدير الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تبعها من إعادة تشكيل لعلاقات التجارة والطاقة.
تدفقات الغاز إلى أوروبا تبقى عند مستويات محدودة
في موازاة ذلك، أظهرت بيانات سوقية أن شحنات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر خط الأنابيب البحري «ترك ستريم» سجلت في مايو متوسطاً يومياً بلغ 47.4 مليون متر مكعب، بزيادة 3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويؤكد ذلك أن تركيا ما تزال تمثل القناة الوحيدة المتبقية تقريباً لعبور الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية بعد توقف المسار عبر أوكرانيا.
وبحسب حسابات استندت إلى بيانات مجموعة نقل الغاز الأوروبية «إنتسوغ»، بلغ إجمالي الإمدادات الروسية إلى أوروبا 1.47 مليار متر مكعب الشهر الماضي، مقارنة بـ1.43 مليار متر مكعب في مايو من العام الماضي. وعلى مستوى الأشهر الخمسة الأولى من العام، ارتفعت الإمدادات بنسبة 6.4% على أساس سنوي إلى 7.76 مليار متر مكعب.
لكن هذا التحسن النسبي في التدفقات لا يغير الصورة الكبرى، إذ ما تزال صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بعيدة جداً عن مستوياتها السابقة. كما أن غازبروم لم تعد تنشر بياناتها الشهرية منذ بداية 2023، ما يزيد من صعوبة تتبع اتجاهات الإنتاج والتصدير بصورة دقيقة ومستمرة.
انكماش طويل الأمد في صادرات غازبروم
تكشف البيانات المتاحة عن تراجع بنيوي في حضور روسيا داخل سوق الغاز الأوروبية. فقد هبطت صادرات غازبروم إلى أوروبا بنسبة 44% خلال العام الماضي لتبلغ 18 مليار متر مكعب فقط، وهو أدنى مستوى منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد إغلاق خط الأنابيب عبر أوكرانيا.
وكانت صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى أوروبا قد وصلت إلى ذروتها عند نحو 180 مليار متر مكعب سنوياً خلال فترة 2018 إلى 2019. ويعني هذا أن السوق الأوروبية التي كانت تمثل تاريخياً الوجهة الرئيسية للغاز الروسي لم تعد تعتمد على موسكو بالقدر السابق، فيما تسعى دول القارة إلى تنويع مصادرها وتقليل المخاطر المرتبطة بالإمدادات.
هذا التحول لا ينعكس فقط على حجم المبيعات الروسية، بل يمتد أيضاً إلى تسعير الطاقة وتدفقات النقد الأجنبي، وهو ما يجعل أي انخفاض في الإيرادات النفطية والغازية أكثر حساسية بالنسبة لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على موارد الهيدروكربونات.
تداعيات مالية على الموازنة الروسية
يمثل تراجع إيرادات الطاقة تحدياً مباشراً للموازنة الروسية، لا سيما في ظل ارتفاع النفقات المرتبطة بالإنفاق الدفاعي والدعم الاقتصادي والالتزامات الحكومية الأخرى. ومع أن موسكو حاولت خلال السنوات الأخيرة تعزيز مرونتها عبر إعادة توجيه بعض الصادرات نحو أسواق بديلة، فإن فقدان جزء كبير من السوق الأوروبية لا يزال يفرض ضغوطاً على حصيلة الإيرادات.
وفي هذا السياق، يصبح هبوط الإيرادات الشهرية أكثر من مجرد تغير رقمي؛ إذ يعكس القدرة المحدودة على تعويض الكميات أو الأسعار المفقودة في الأسواق التقليدية، فضلاً عن تأثير القيود اللوجستية والعقوبات والتقلبات في الطلب العالمي على الطاقة.
كما أن استمرار الاعتماد على مسار تصدير واحد تقريباً نحو أوروبا عبر تركيا يزيد من حساسية الصادرات لأي تغيرات تنظيمية أو سياسية أو تشغيلية. وفي حال بقيت مستويات الطلب الأوروبي محدودة، فإن الفجوة بين ما كانت تجنيه روسيا سابقاً من الطاقة وما تحققه حالياً ستظل مؤثرة في الحسابات المالية والاقتصادية الأوسع.
الصورة الأوسع لسوق الطاقة الروسي
تعكس بيانات مايو أن روسيا ما تزال في مرحلة إعادة تموضع داخل سوق الطاقة الدولية. فبينما تبقى صادراتها من النفط والغاز مورداً رئيسياً للدخل، فإن حجم العائدات لم يعد قريباً من المستويات التي سبقت الحرب وإعادة الهيكلة الواسعة في مسارات التجارة. ويشير هذا إلى أن موسكو تواجه معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على تدفقات التصدير، والتعامل مع أسعار متغيرة، وتحمّل خسارة جزء مهم من السوق الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، يوضح استمرار مرور كميات من الغاز عبر «ترك ستريم» أن العلاقات الطاقوية بين روسيا وأوروبا لم تنقطع بالكامل، لكنها باتت أكثر محدودية وانتقائية. ومع غياب بيانات شهرية مفصلة من غازبروم، يظل تقييم الأداء الحقيقي لقطاع الغاز الروسي مرتبطاً بتقديرات السوق والبيانات الأوروبية أكثر من الإفصاحات الروسية المباشرة.
وبين هبوط الإيرادات على المستوى الشهري واستمرار الانكماش الهيكلي في الصادرات إلى أوروبا، تبدو روسيا أمام مرحلة تتطلب إدارة أكثر تعقيداً لمصادر الدخل المرتبطة بالطاقة، في وقت تزداد فيه المنافسة العالمية على أسواق الغاز والنفط وتتعاظم أهمية التنويع في وجهات التصدير.