تستعد مصر لمرحلة جديدة في مزيجها الكهربائي مع اقتراب تشغيل مشروع هجين ضخم يجمع بين الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء، في خطوة يُتوقع أن تمنح الشبكة الوطنية دعماً كبيراً وتخفف الضغط على واردات الغاز الطبيعي المسال. ويُنظر إلى المشروع بوصفه واحداً من أكبر المشاريع من هذا النوع في القارة الأفريقية، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث أثره المباشر على التكلفة والأمن الطاقي.
وبحسب التقديرات المتداولة، تبلغ الكلفة الاستثمارية للمشروع نحو 600 مليون دولار، بينما تصل قدرته التصميمية إلى 1.1 غيغاواط من الطاقة الشمسية، إلى جانب 200 ميغاواط/ساعة من التخزين. ومن المنتظر أن يكتمل المشروع خلال العام الحالي ليبدأ ضخ الكهرباء في الشبكة المصرية، ما يمنح القطاع طاقة إضافية في أوقات الذروة ويخفف الحاجة إلى تشغيل وحدات توليد أكثر كلفة.
وتعكس هذه الخطوة اتجاهاً أوسع في مصر نحو تنويع مصادر الإمداد، في وقت أصبحت فيه أسعار الوقود الأحفوري أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية. فقد أظهر ارتفاع أسعار الطاقة خلال الحرب الإيرانية مدى تأثر الدول المستوردة، خصوصاً تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز في توليد الكهرباء. وفي حالة مصر، برزت هذه الهشاشة بعد تحولها إلى مستورد صافٍ للغاز الطبيعي المسال مع ازدياد الطلب المحلي.
ورغم استمرار بعض الإمدادات عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل، فإن الاعتماد على الغاز المستورد يبقى عاملاً ضاغطاً على الميزان التجاري وكلفة الإنتاج. وفي هذا السياق، يبرز المشروع الشمسي الجديد كأداة عملية لتقليل استهلاك الغاز في توليد الكهرباء، خاصة مع ارتفاع تكلفة الشحنات الفورية من الغاز الطبيعي المسال مقارنة بمصادر التوليد المتجددة.
وفورات سنوية قد تصل إلى 400 مليون دولار
تشير التقديرات إلى أن المشروع يمكن أن يحقق لمصر وفورات سنوية بنحو 400 مليون دولار، وهو رقم يعكس الفارق بين كلفة تشغيل المحطات القائمة على الغاز الطبيعي المسال وكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية المدعومة بالتخزين. ويجري احتساب هذه الوفورات على أساس سعر يقارب 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي المسال، وهي تكلفة تثقل كاهل الدول المستوردة عندما ترتفع الأسواق العالمية.
ولا تقتصر الفائدة هنا على جانب الأسعار فحسب، بل تمتد إلى استقرار النفقات الحكومية والحد من تعرض منظومة الكهرباء لتقلبات سوق الوقود. فكلما زادت مساهمة الطاقة الشمسية في مزيج التوليد، تراجع الضغط على العملة الأجنبية المستخدمة في شراء الوقود، وتحسنت القدرة على التخطيط المالي على المدى المتوسط.
كما أن وجود منظومة تخزين مرافقة للمشروع يمنح الشبكة مرونة أكبر، لأن إنتاج الشمس لا يتطابق دائماً مع ساعات الاستهلاك المرتفع. لذا، فإن الدمج بين التوليد الشمسي والتخزين يرفع القيمة الاقتصادية للمشروع مقارنة بالمشاريع الشمسية التقليدية التي لا تملك قدرة كبيرة على إدارة التذبذب اليومي في الإنتاج.
الطاقة المتجددة كخيار اقتصادي أكثر استقراراً
يرى خبراء الطاقة أن المشروع يعكس تحوّلاً مهماً في التفكير الاستثماري داخل أفريقيا، حيث ما زالت كثير من الحكومات تنفق مبالغ ضخمة على دعم الوقود الأحفوري. وفي المقابل، تقدم الطاقة المتجددة بديلاً أقل تقلباً وأكثر قابلية للتنبؤ، ما يجعلها أداة اقتصادية بقدر ما هي حل بيئي.
وفي القارة الأفريقية، تصل كلفة دعم الوقود الأحفوري إلى عشرات المليارات سنوياً، وهو عبء يضغط على الموازنات العامة ويحد من قدرة الدول على توجيه الإنفاق إلى التعليم والصحة والبنية التحتية. لذلك، فإن أي مشروع واسع النطاق يساهم في خفض الاستهلاك النفطي أو الغازي يكتسب أهمية تتجاوز قطاع الكهرباء ذاته.
كما أن التحول إلى الطاقة المتجددة لم يعد مرتبطاً فقط بالأهداف المناخية، بل أصبح جزءاً من إدارة المخاطر الاقتصادية. فالدول التي تعتمد على الاستيراد تواجه باستمرار احتمالات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات، بينما تسمح المشاريع الشمسية واسعة النطاق بتثبيت جزء أكبر من كلفة التوليد على المدى الطويل.
انعكاسات على الصناعة والتصدير
يمتد أثر المشروع إلى القطاع الصناعي أيضاً، إذ يُتوقع أن يساعد في توفير كهرباء أكثر استقراراً للمصانع المصرية، لا سيما الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وهذا العامل مهم لأن أسعار الكهرباء تمثل جزءاً كبيراً من تكلفة الإنتاج في قطاعات مثل المعادن والأسمدة ومواد البناء.
وفي هذا الإطار، تأتي الإشارة إلى اتفاقية سابقة بين شركة الطاقة النرويجية سكاتك وشركة مصر للألومنيوم لتطوير مشروع مشابه في الحجم من حيث قدرة الطاقة والتخزين، في خطوة تستهدف دعم أحد أكثر القطاعات الصناعية استهلاكاً للكهرباء في البلاد. وتُظهر هذه الشراكات أن السوق المصري بات أكثر جاذبية للمشاريع التي تربط بين أمن الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية.
ومن زاوية التجارة الخارجية، يحمل المشروع بعداً إضافياً يتعلق بالمعايير البيئية. إذ يمكن أن يساعد الصناعات المصرية على التوافق مع المتطلبات الأوروبية الجديدة، بما في ذلك آلية تعديل الكربون على الحدود التي تفرض رسوماً على الانبعاثات في السلع المستوردة. ومع تزايد تشدد الأسواق الكبرى في ملفات الانبعاثات، تصبح الطاقة النظيفة عنصراً مؤثراً في الحفاظ على القدرة التصديرية.
محدودية المشاريع الكبيرة في أفريقيا
رغم أهمية المشروع، فإن مثل هذه المنظومات لا تزال نادرة في أفريقيا خارج بعض الأسواق المتقدمة نسبياً في هذا المجال، مثل جنوب أفريقيا. ويعود ذلك إلى تحديات التمويل، والبنية التحتية، والقدرة على الدمج بين التوليد والتخزين على نطاق واسع. ومع ذلك، فإن نجاح المشاريع الكبرى قد يفتح الباب أمام نماذج مماثلة في دول أخرى تبحث عن حلول عملية لأزمة الطاقة.
أما المشاريع الأصغر التي نفذتها سكاتك في أفريقيا، فقد بدأت بالفعل تحقق وفورات مقارنة بمولدات الديزل، ما يشير إلى أن الجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة لم تعد نظرية. وكلما اتسع حجم المشروع، ارتفعت فرص خفض التكلفة وتحسين الاعتمادية، خاصة عندما يترافق التوليد مع بطاريات أو حلول تخزين مرنة.
وفي الحالة المصرية، يبدو أن المشروع الجديد يجمع بين عدة أهداف في وقت واحد: تقليل فاتورة الوقود، دعم استقرار الشبكة، تعزيز تنافسية الصناعة، والحد من الانبعاثات. لذلك، لا يُنظر إليه كمجرد محطة كهرباء إضافية، بل كجزء من تحول أوسع في البنية الاقتصادية لقطاع الطاقة.
ومع دخول المشروع مرحلة التنفيذ النهائية، تزداد التوقعات بأن يشكل نموذجاً مرجعياً لمشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة. وإذا تحققت الوفورات المقدرة فعلاً، فقد يصبح المشروع واحداً من أبرز الأمثلة على الكيفية التي يمكن بها للاستثمار في الطاقة المتجددة أن ينعكس مباشرة على المالية العامة، وكفاءة الإمداد، ومستقبل الصناعة في آن واحد.