أظهرت بيانات الطاقة الأميركية الأسبوعية تراجعاً أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الخام، في إشارة إلى تحسن نسبي في سحب الإمدادات من السوق، لكن الصورة العامة بقيت مختلطة بعد ارتفاع مخزونات البنزين ونواتج التقطير على خلاف التقديرات، ما يعكس استمرار التباين بين أداء الخام والمنتجات المكررة.
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، هبطت مخزونات النفط الخام 6.1 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 19 يونيو إلى 412.1 مليون برميل، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى انخفاض أقل حدة عند 4.5 مليون برميل. كما تراجعت المخزونات في مركز التسليم بكوشينغ في ولاية أوكلاهوما بمقدار 1.1 مليون برميل، وهو ما يظل مؤشراً مهماً للأسعار المتداولة في السوق الأميركية.
وتأتي هذه الأرقام في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب مستويات الطلب على الوقود وحركة المصافي، خصوصاً أن الإدارة أوضحت أن استهلاك المصافي من الخام انخفض 81 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع نفسه، بالتوازي مع تراجع معدل تشغيل المصافي 0.6 نقطة مئوية. ويعني ذلك أن سحب المخزونات لا يرتبط فقط بالطلب النهائي، بل أيضاً بتغيرات التشغيل والإمداد داخل سلسلة التكرير.
ارتفاع مفاجئ في مخزونات البنزين والديزل
في المقابل، سجلت مخزونات البنزين زيادة بلغت 2.1 مليون برميل إلى 216.3 مليون برميل، بينما كانت التوقعات تشير إلى انخفاض بنحو 0.6 مليون برميل. كما ارتفعت مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، 3.1 مليون برميل لتصل إلى 106.1 مليون برميل، في حين كان السوق يترقب تراجعاً بنحو 0.5 مليون برميل.
هذا التباين بين الخام والمنتجات المكررة يسلط الضوء على مرحلة غير مستقرة في توازنات سوق الطاقة الأميركية. فهبوط الخام قد يدعم الأسعار على المدى القصير، لكن ارتفاع مخزونات الوقود النهائية يوحي بأن الطلب الاستهلاكي أو عمليات السحب من المصافي لم تبلغ بعد مستوى كافياً لتأكيد موجة صعود مستدامة.
وأشارت البيانات كذلك إلى أن صافي واردات الولايات المتحدة من الخام ارتفع الأسبوع الماضي 94 ألف برميل يومياً، وهو عنصر إضافي يوضح أن السوق لا تتحرك في اتجاه واحد، بل تتأثر بتغيرات الإنتاج المحلي، والتخزين، والاستيراد، ومستويات التشغيل داخل المصافي.
جي.بي مورغان يخفف توقعاته لبرنت
وبالتوازي مع البيانات الأميركية، خفض جي.بي مورغان توقعاته لأسعار خام برنت في النصف الثاني من 2026، مستنداً إلى ضعف الطلب العالمي وتراجع عمليات السحب من المخزونات التجارية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن المستويات التي كان البنك يتوقعها سابقاً.
وتوقع البنك أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 86 دولاراً للبرميل في الربع الثالث من 2026، ثم يتراجع إلى 80 دولاراً في الربع الرابع، على أن ينهي العام عند 78 دولاراً للبرميل. وتدل هذه الأرقام على نظرة أكثر تحفظاً لمسار السوق، رغم استمرار وجود عوامل دعم متفرقة مثل اضطرابات الإمداد أو تذبذب الإنتاج في بعض المناطق.
وقال البنك إن الطلب الضعيف كان أكثر وضوحاً من المتوقع، بينما لم تكن السحوبات من المخزونات التجارية بالقوة الكافية لإحداث ضغط صعودي أكبر على الأسعار. كما أشار إلى أن التدفقات النفطية الحالية تقارب 8.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بمتوسط 6.3 مليون برميل يومياً منذ بداية يونيو، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في حركة الإمدادات مقارنة بأبريل ومايو.
ومن وجهة نظر الأسواق، فإن هذه المعطيات تعني أن أي ارتفاع في الأسعار قد يواجه سقفاً مؤقتاً ما لم يتحسن الطلب النهائي على الخام والوقود، أو تتراجع الإمدادات بشكل أوضح. كما أن استمرار اعتماد بعض المشغلين على الإفراجات الحكومية من الاحتياطي الاستراتيجي للحفاظ على تشغيل المصافي يضيف بعداً آخر إلى هشاشة التوازن الحالي.
قراءة أوسع للسوق العالمية
ترى المؤسسات المالية أن مسار النفط في الأشهر المقبلة سيظل مرتبطاً بمزيج من العوامل المتضاربة: نمو اقتصادي عالمي أبطأ من المتوقع، ومخزونات تجارية لا تنخفض بالسرعة المرجوة، وتحركات إنتاجية من كبار المنتجين، إلى جانب أثر السياسة النقدية الأميركية على شهية المخاطرة في الأسواق المالية.
وفي هذا السياق، يميل المتعاملون إلى قراءة بيانات المخزونات الأميركية بوصفها مؤشراً أسبوعياً سريع التأثير، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الاتجاه طويل الأجل للأسعار. فالتغير في مخزونات الخام قد يبدو داعماً، لكن ارتفاع البنزين والديزل يحد من هذا الأثر، خصوصاً إذا ترافق مع تراجع نشاط المصافي أو ضعف الاستهلاك في ذروة موسم القيادة.
وتكتسب هذه البيانات أهمية إضافية لأنها تصدر في وقت حسّاس للسوق، مع متابعة المستثمرين لتوقعات البنوك الاستثمارية ومؤشرات الاقتصاد الكلي. وإذا بقي الطلب على الوقود أضعف من اللازم، فقد تجد الأسعار نفسها أمام ضغط نزولي حتى مع أي انخفاض أسبوعي كبير في مخزونات الخام.
وبذلك، تعكس أرقام هذا الأسبوع سوقاً لا تزال تبحث عن اتجاه أوضح: خام يتراجع أكثر من المتوقع، منتجات مكررة ترتفع، وتوقعات سعرية أكثر تحفظاً من أحد أكبر البنوك العالمية. وهي عناصر تجعل المدى القصير عرضة للتقلب، بينما يبقى المدى المتوسط رهناً بقدرة الطلب على اللحاق بالإمدادات.