في تطور جديد داخل واحدة من أكبر قضايا التعثر الائتماني في مصر، رفض البنك المركزي المصري طلبات تقدمت بها البنوك الدائنة لتحويل جزء من مديونية شركة إيفرجرو المقومة بالجنيه المصري إلى الدولار، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة بعض بنود اتفاق التسوية الذي سبق التوصل إليه بين الأطراف المعنية.
القرار يأتي في ملف يحظى بمتابعة واسعة داخل القطاع المصرفي، نظرا لحجم المديونية وتعقيدات توزيعها بين الجنيه المصري والعملات الأجنبية، إلى جانب حساسية أي تعديل في شروط السداد أو الهيكلة على الميزانيات الائتمانية للبنوك المشاركة في التحالف الدائن.
خلفية الأزمة
تعود القضية إلى تعثر رجل الأعمال محمد الخشن وشركته في الوفاء بالتزامات مالية لصالح تحالف يضم 25 بنكا، بإجمالي مديونية يقدر بنحو 44 مليار جنيه. وقد أثارت هذه المديونية جدلا في وقت سابق بسبب ضخامتها، واتساع دائرة البنوك المرتبطة بها، وما إذا كانت عملية التمويل وإعادة الهيكلة قد تمت وفق أفضل الضوابط المتبعة.
وتعد هذه المديونية، بحسب المعطيات المتداولة في السوق، من الأكبر داخل الجهاز المصرفي المصري، وهو ما جعل أي خطوة تخص التسوية أو إعادة التوزيع بين العملات محل تدقيق واسع من الجهات الرقابية ومن المؤسسات الائتمانية المعنية.
لماذا طُرح تحويل جزء من الدين إلى الدولار؟
بحسب التطورات الأخيرة، سعت البنوك الدائنة إلى تعديل هيكل المديونية عبر تحويل جزء من الالتزامات المقومة بالجنيه إلى الدولار، في محاولة لإعادة صياغة التسوية بما يتناسب مع نسبة الجزء الدولاري من الدين. لكن رفض البنك المركزي لهذه الطلبات يعني أن النسخة الحالية من الاتفاق لن تبقى كما هي، وأن على الأطراف العودة إلى طاولة التفاوض لإعادة ضبط بعض التفاصيل.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن المديونية الدولارية تمثل نحو 66% من إجمالي قيمة التسوية، بينما يشكل الجزء المتبقي مديونيات بالجنيه المصري. هذا التوزيع يفسر جزئيا سبب رغبة البنوك في تعديل التركيبة الحالية، لكنه في الوقت نفسه يوضح لماذا تعامل البنك المركزي مع الطلب بحذر.
قيمة الأصول ودلالات إعادة الهيكلة
في الوقت نفسه، أعلنت شركة إيفرجرو أن قيمة أصولها بلغت 62 مليار جنيه، وفق آخر تقييم أُجري في أغسطس 2025. وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ضوء الحديث عن قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها ضمن جدول زمني متفق عليه، وفي ظل المقارنات المعتادة بين حجم الأصول وحجم الدين عند إعادة الهيكلة.
وعادة ما يُنظر إلى مثل هذه التقييمات باعتبارها أحد العناصر الأساسية في أي تسوية مصرفية، لأنها تساعد البنوك على تقدير فرص الاسترداد الفعلي، ومدى كفاية الضمانات المتاحة، وما إذا كانت إعادة الجدولة ستؤدي إلى حماية حقوق الدائنين أم إلى تأجيل المشكلة فقط.
موقف البنك المركزي من سياسات الإقراض
سبق للبنك المركزي أن أصدر بيانًا في أبريل الماضي أكد فيه أن تحالف البنوك الدائنة توصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة المديونيات بما يضمن سداد أصل الدين والعوائد، مع الحصول على الضمانات الكافية التي تغطي الالتزامات القائمة. وجاء ذلك في وقت كانت فيه النقاشات محتدمة حول حجم التمويل الذي حصلت عليه الشركة، ومعايير منح التسهيلات المصرفية الكبرى.
وفي بيانه، شدد البنك المركزي على أن البنوك العاملة في مصر تطبق سياسات ائتمانية منسجمة مع القواعد والضوابط الرقابية، وأنه يتم إجراء دراسات ائتمانية دقيقة قبل منح أي تسهيلات أو عند إعادة هيكلة الديون، بما يحفظ حقوق البنوك ويتوافق مع ضوابط منح الائتمان الصادرة عنه.
هذه الرسالة تعكس، بوضوح، حرص الجهة الرقابية على التأكيد أن القرارات الائتمانية الكبرى لا تُترك لاجتهادات فردية، بل تخضع لإطار تنظيمي يوازن بين دعم النشاط الاقتصادي وحماية الاستقرار المالي.
ما الذي يعنيه القرار للبنوك والدائنين؟
عمليا، يضع الرفض الحالي البنوك الدائنة أمام ضرورة تعديل اتفاق التسوية الذي تم توقيعه سابقا. وقد يشمل ذلك إعادة التفاوض على الصيغة النهائية لتوزيع الدين، أو تعديل آجال السداد، أو مراجعة بعض الضمانات والالتزامات التعاقدية بما يتسق مع موقف البنك المركزي.
كما أن أي تغيير في هيكل المديونية قد ينعكس على طريقة احتساب المخاطر الائتمانية داخل البنوك، وعلى مخصصات الديون المتعثرة، وهو ما يجعل الملف ذا بعد مصرفي لا يقتصر على شركة واحدة أو قطاع صناعي بعينه. فالأثر يمتد إلى إدارة المحافظ الائتمانية، وإلى الرسائل التي تُفهم من تعامل المنظومة الرقابية مع القضايا الكبرى.
أهمية الملف في سوق التمويل المصري
تكشف هذه القضية عن حجم التحديات التي تواجهها البنوك عند التعامل مع التمويلات الضخمة الموجهة لشركات كبيرة في قطاعات صناعية كثيفة رأس المال. فكلما زاد حجم التسهيلات، زادت حساسية المخاطر المرتبطة بالتدفقات النقدية، وتقلبات أسعار الصرف، وقدرة الشركة على تحقيق أرباح تشغيلية تكفي لخدمة الدين.
كما تعيد الأزمة تسليط الضوء على أهمية الحوكمة الائتمانية، وضرورة التوازن بين التوسع في الإقراض ودقة تقييم المخاطر، خصوصا في الحالات التي تشمل عددا كبيرا من البنوك وتصل فيها قيمة الالتزامات إلى مستويات غير معتادة. وفي مثل هذه الملفات، تصبح الشفافية في التسعير والضمانات وجدول السداد عنصرا حاسما في حماية الاستقرار المالي.
وفي ضوء التطورات الحالية، يبدو أن ملف مديونية إيفرجرو ما زال مفتوحا على أكثر من سيناريو، لكن الثابت حتى الآن أن البنك المركزي لا يبدو مستعدا لقبول تعديلات تمس البنية الأساسية للتسوية دون مبرر رقابي واضح، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة مفاوضات فنية أكثر منها سياسية أو إعلامية.