05-Jul-2026 5 دقائق قراءة

سوريا ولبنان يشكلان لجنة عليا مشتركة لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية

وقعت سوريا ولبنان في بيروت اتفاقاً لتشكيل لجنة عليا مشتركة تهدف إلى تنسيق العمل بين الوزارات وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، إلى جانب ملفات الأمن والتفاهمات الثنائية.

اتفاق جديد يعزز الإطار المؤسسي للتعاون

شهدت العاصمة اللبنانية بيروت توقيع اتفاق لتشكيل لجنة عليا سورية – لبنانية مشتركة، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية في آن واحد، وتستهدف وضع إطار مؤسسي أكثر انتظاماً للعلاقة بين البلدين بعد سنوات من التوتر والتباعد في الملفات الرسمية.

وجرى توقيع الاتفاق من الجانب السوري من قبل وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، فيما وقّعه من الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في مراسم أعقبتها تصريحات مشتركة شددت على أهمية الانتقال من الاتصالات السياسية إلى آليات عمل دائمة وقابلة للتنفيذ.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يبحث فيه البلدان عن صيغ أكثر فاعلية لإدارة ملفات الحدود والتبادل التجاري وحركة البضائع، إضافة إلى فتح قنوات تعاون جديدة في الاقتصاد والاستثمار، وهو ما يمنح اللجنة المقترحة أهمية تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي.

منصة لتنسيق الاقتصاد والتجارة والاستثمار

أوضح الشيباني أن اللجنة العليا المشتركة ستعمل كمنصة لتنسيق الجهود بين الوزارات والمؤسسات المعنية في البلدين، بما يشمل تطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، إلى جانب بحث ملفات أمنية وتفاهمات مرتبطة بمصالح الطرفين.

وبحسب ما أعلنه، فإن الغاية ليست فقط تنظيم العلاقات الثنائية، بل تأسيس مسار تعاون “مستدام وصحي” يتيح توسيع مجالات العمل المشترك. ويعني ذلك عملياً إمكانية الانتقال إلى مستوى أعلى من التنسيق في القطاعات المرتبطة بالنقل، واللوجستيات، والجمارك، والتجارة البينية، وخدمات الأعمال.

هذا النوع من اللجان غالباً ما يُستخدم في العلاقات الاقتصادية الإقليمية كأداة لخفض كلفة التنسيق بين الوزارات وتسهيل اتخاذ القرار، خصوصاً عندما تكون هناك حاجة إلى معالجة ملفات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المصالح التجارية.

أهمية الخطوة في السياق الاقتصادي الإقليمي

تحمل هذه التطورات دلالات اقتصادية تتصل بموقع سوريا ولبنان ضمن شبكة أوسع من العلاقات العربية، ولا سيما مع دول الخليج. فالتعاون السوري – اللبناني قد يشكل مدخلاً لإعادة تنشيط بعض مسارات التبادل الإقليمي، سواء عبر التجارة أو عبر إعادة ربط أسواق وممرات كانت أكثر نشاطاً في فترات سابقة.

وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان السعودي في يونيو الماضي باستئناف الصادرات اللبنانية إلى الأسواق السعودية أهمية خاصة، لأنه أظهر استعداداً لإعادة فتح بعض القنوات التجارية في المنطقة على أساس خطوات إصلاحية وسياسية اتخذتها الحكومة اللبنانية. مثل هذه الإشارات قد تخلق بيئة أكثر ملاءمة لأي تعاون اقتصادي أوسع يضم أطرافاً متعددة.

كما أن الحديث عن شراكات اقتصادية واستثمارية بين سوريا ولبنان قد ينسجم مع الحاجة إلى تنشيط القطاعات الإنتاجية والربط بين الأسواق المحلية والإقليمية، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية يواجهها البلدان وحاجة كل منهما إلى موارد وفرص نمو جديدة.

إمكانات التعاون تتجاوز التجارة المباشرة

لا يقتصر أثر اللجنة العليا المحتملة على تبادل السلع والخدمات فقط، بل قد يمتد إلى مجالات أوسع تشمل الاستثمار في البنية التحتية، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وإعادة تنظيم بعض مسارات النقل البري والعبور، وهو ما يمكن أن ينعكس على سلاسل الإمداد والتكلفة التشغيلية في القطاع الخاص.

ومن منظور الأعمال والاقتصاد الرقمي، فإن أي تحسن في التنسيق المؤسسي بين بلدين متجاورين يفتح الباب أيضاً أمام تطوير بيئة أكثر ملاءمة للخدمات الرقمية المرتبطة بالتجارة، مثل الأنظمة الجمركية الإلكترونية، وتتبع الشحنات، وتسريع المعاملات بين الشركات، وتبادل البيانات بين الجهات الرسمية.

كما أن توسيع التعاون الاقتصادي قد يشجع على مبادرات مشتركة في قطاعات ناشئة تحتاج إلى استقرار تنظيمي ومؤسسي، بما في ذلك الخدمات اللوجستية الذكية، والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، والحلول التقنية التي تخدم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

رسائل سياسية واقتصادية متبادلة

الرسالة الأساسية من التوقيع في بيروت هي أن الجانبين يسعيان إلى تحويل العلاقة الثنائية إلى مسار عملي يقوم على اللجان والآليات بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات العامة. وفي هذا النوع من الملفات، تشكل اللجان العليا عادة منصة أولية لمراكمة الثقة وتحديد الأولويات المشتركة قبل الانتقال إلى اتفاقات أكثر تخصصاً.

كما أن الجانب اللبناني قد يجد في هذا الإطار فرصة لفتح قنوات تعاون تساعده في دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف بعض القيود التي تواجه القطاعات المرتبطة بالتجارة الإقليمية، بينما تنظر دمشق إلى أي انفتاح اقتصادي باعتباره مدخلاً لتحريك العلاقات الخارجية وإعادة وصل الأسواق المحيطة بها.

ومع بروز مؤشرات على تقارب اقتصادي إقليمي أوسع، قد تصبح اللجنة السورية – اللبنانية أداة مهمة لالتقاط الفرص المتاحة، خصوصاً إذا نجحت في تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات تنفيذية ملموسة تسهّل حركة الأعمال والاستثمار.

ما الذي قد تعنيه المرحلة المقبلة؟

المسار المقبل سيعتمد على قدرة اللجنة المزمع تشكيلها على إنتاج أجندة واضحة تشمل أولويات زمنية ومؤشرات قياس عملية. فنجاحها لن يُقاس بمجرد إعلانها، بل بمدى قدرتها على تحقيق تقدم في الملفات الاقتصادية التي تهم القطاعين العام والخاص.

ويبدو أن العنوان الأبرز في المرحلة المقبلة سيكون اختبار مدى قدرة البلدين على بناء علاقة تعاون قابلة للاستمرار، تُترجم إلى تنسيق في التجارة والاستثمار والربط المؤسسي، مع ترك الباب مفتوحاً أمام توسيع الشراكة إلى محيط عربي أوسع، بما في ذلك دول الخليج، إذا توفرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة.