اتفق الائتلاف الحاكم في ألمانيا على حزمة تخفيضات ضريبية تُقدَّر بنحو 10 مليارات يورو سنوياً، في خطوة تهدف إلى تخفيف العبء عن الأسر وأصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، مع دخول التعديلات حيز التنفيذ على مراحل اعتباراً من عام 2027.
وجاء الاتفاق بعد اجتماع لجنة الائتلاف التي تضم قيادات الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي البافاري والحزب الاشتراكي الديمقراطي. ويعكس التفاهم الجديد محاولة من الحكومة لربط السياسة الضريبية بأولوية دعم القوة الشرائية، في وقت لا تزال فيه تكاليف المعيشة تشكل ضغطاً على شريحة واسعة من المستهلكين.
تركيز على الأسر وأصحاب الدخل المتوسط
بحسب ما تم الإعلان عنه، ستُصمم التخفيضات بحيث تمنح أكبر فائدة ممكنة للعائلات، ولا سيما تلك التي لديها أطفال. ويستهدف هذا التوجه تقديم أثر ملموس في الحياة اليومية، من خلال تقليل الالتزامات الضريبية على الفئات التي تُعد أكثر حساسية للتغيرات في الأسعار والدخل.
كما أوضحت اللجنة أن الخطة ستمنح أولوية واضحة لأصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة، وهو ما يشير إلى أن الإصلاح لا يركز فقط على تخفيف العبء الضريبي بشكل عام، بل على إعادة توزيع المنافع بطريقة أكثر استهدافاً من الناحية الاجتماعية.
وتشير الحسابات الأولية إلى أن أسرة عاملة لديها طفلان، ويبلغ دخلها السنوي الخاضع للضريبة 60 ألف يورو، ستستفيد من خفض ضريبي يتجاوز 600 يورو سنوياً بعد اكتمال تطبيق الإصلاح في 2028. ويعني ذلك أن الأثر المالي لن يظهر دفعة واحدة، بل سيتراكم مع دخول التعديلات مراحلها النهائية.
إعادة تصميم ضريبة الدخول المرتفعة
سيجري تمويل جزء رئيسي من هذه التخفيضات عبر تعديل ما يُعرف بضريبة الأثرياء، وهي آلية تفرض معدلات أعلى على الدخول الكبيرة. وبموجب الاتفاق الجديد، ستُقسَّم هذه الضريبة إلى شريحتين، بحيث يُطبق معدل 45% على الدخول الخاضعة للضريبة التي تبدأ من 250 ألف يورو، بينما يرتفع المعدل إلى 47% على الدخول التي تبدأ من 280 ألف يورو.
ويعني هذا التعديل أن الحكومة تسعى إلى تعويض جزء من كلفة التخفيضات الموجهة إلى الشرائح الأوسع عبر رفع العبء على الدخول الأعلى. ويأتي ذلك في إطار محاولة لتحقيق توازن بين دعم الاستهلاك من جهة، والحفاظ على قدر من الانضباط المالي من جهة أخرى.
أما النظام الحالي فينص على أن الحد الأقصى لمعدل الضريبة يبلغ 45%، ويُطبق على الدخول الخاضعة للضريبة التي تبدأ من 277826 يورو. وبالتالي، فإن التعديل الجديد لا يكتفي بإعادة ضبط الشرائح، بل يوسع نطاق الضريبة الأعلى ويضيف شريحة جديدة بمعدل أكبر.
دلالات اقتصادية وسياسية
تعكس الحزمة الضريبية الجديدة توجهاً أوسع داخل ألمانيا نحو استخدام السياسة المالية كأداة لدعم الطلب المحلي، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها الأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن التركيز على الأطفال والأسر العاملة يشير إلى أن الحكومة تريد ربط الإصلاح الضريبي بأهداف اجتماعية مباشرة، وليس فقط بتحسين المؤشرات العامة للإيرادات والإنفاق.
وفي الوقت ذاته، تظهر آلية التمويل أن الحكومة تتبنى مقاربة تعتمد على إعادة التوزيع بين الشرائح الضريبية، بدلاً من تمويل التخفيضات بالكامل عبر زيادة العجز أو خفض الإنفاق العام. وهذا النهج قد يساعد الائتلاف على تسويق الإصلاح باعتباره متوازناً بين العدالة الضريبية والدعم الاجتماعي.
من ناحية السوق والاقتصاد، قد ينعكس هذا القرار على ثقة المستهلكين إذا شعروا بأن الإصلاح سيزيد الدخل المتاح للإنفاق، خصوصاً لدى الأسر العاملة. كما قد يمنح الشركات صورة أوضح عن توجه السياسة الاقتصادية في ألمانيا خلال السنوات المقبلة، في وقت تبحث فيه أكبر اقتصاد في أوروبا عن وسائل لتعزيز النمو الداخلي.
تطبيق تدريجي حتى 2028
رغم أن الموعد المبدئي لبدء التنفيذ هو 2027، فإن الاستفادة الكاملة لن تظهر إلا في 2028 بعد اكتمال التطبيق. وهذا يعني أن الأثر على الميزانيات الأسرية سيكون تدريجياً، وهو ما يتيح للحكومة مساحة زمنية لتعديل الإجراءات ومراقبة انعكاساتها على الإيرادات العامة.
ويُتوقع أن يظل ملف الضرائب أحد المحاور الرئيسية في النقاش الاقتصادي الألماني خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الجدل حول كيفية الموازنة بين تشجيع النشاط الاقتصادي، ودعم الفئات ذات الدخل المحدود، وضمان استدامة المالية العامة.
وبينما تبدو الحزمة الجديدة موجهة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، فإن نجاحها سيعتمد في النهاية على كيفية تنفيذها فعلياً، وعلى ما إذا كانت ستوفر أثراً ملموساً في دخل الأسر من دون أن تضغط على التوازنات المالية للحكومة.