تراجع لافت في النشاط خلال النصف الأول
دخلت السوق العقارية السعودية عام 2026 في مسار أكثر هدوءاً مقارنة بالعام السابق، مع تراجع واضح في أحجام التداول وقيم الصفقات خلال الأشهر الستة الأولى. ويقرأ مختصون هذا الأداء بوصفه امتداداً لمرحلة إعادة التوازن التي بدأت ملامحها بالظهور منذ العام الماضي، في وقت تتداخل فيه عوامل تنظيمية جديدة مع ظروف اقتصادية وجيوسياسية أوسع أثرت في شهية المستثمرين وحركة السيولة.
وبحسب بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل، هبطت قيمة الصفقات العقارية المنفذة خلال النصف الأول من 2026 إلى 82.2 مليار ريال، مقارنة بـ169.4 مليار ريال في الفترة نفسها من 2025. ويعني ذلك تراجعاً سنوياً نسبته 51.5 في المائة، وهو الانخفاض الأكبر بين المؤشرات المتاحة، ما يعكس فتوراً واضحاً في إيقاع السوق، لا سيما في الصفقات الكبيرة والأصول الأعلى قيمة.
ولم يقتصر التراجع على القيمة المالية، إذ انخفض عدد الصفقات إلى 161.9 ألف صفقة مقابل 220 ألف صفقة في النصف الأول من العام الماضي، بنسبة هبوط بلغت 26.4 في المائة. كما تراجع عدد العقارات المتداولة من 204.9 ألف عقار إلى 138.6 ألف عقار، وتقلصت المساحة الإجمالية المتداولة إلى 1.625 مليار متر مربع، بعد أن كانت 2.088 مليار متر مربع في الفترة نفسها من 2025.
مؤشرات الأسعار تظهر مرونة نسبية
رغم الانخفاض الحاد في حجم التعاملات، جاءت حركة الأسعار أقل حدة من المتوقع، ما يشير إلى أن السوق لم تدخل في دورة تصحيح سعري واسع بقدر ما شهدت إعادة ترتيب في نوعية الصفقات. فقد تراجع متوسط سعر المتر المربع إلى 1965 ريالاً، مقارنة بـ2217 ريالاً قبل عام، أي بانخفاض نسبته 11.4 في المائة فقط.
كما هبط أعلى سعر للمتر المربع المسجل في الصفقات من 453124 ريالاً إلى 330578 ريالاً، وهو ما يوضح أن التراجع الأبرز كان في الصفقات الاستثنائية والعقارات شديدة الارتفاع في القيمة، وليس في السوق ككل. وهذه الفجوة بين هبوط القيم المتداولة ومحدودية تراجع الأسعار توحي بأن السوق تتحرك ضمن مرحلة فرز أكثر منها مرحلة انهيار أو تصحيح سعري شامل.
ويفسر عدد من المتابعين هذا المسار بأن المشترين والبائعين أصبحوا أكثر انتقائية، بينما تميل السيولة إلى التريث بانتظار وضوح أكبر في المشهد التنظيمي والاقتصادي. كما أن انتقال جزء من الأصول إلى فئة غير المتداولة، وفق تقييمات السوق، ساهم في خفض النشاط الظاهر من دون أن يعني بالضرورة ضعفاً في الأساسيات طويلة الأجل.
التنظيمات الجديدة تعيد تشكيل السلوك الاستثماري
يرى مختصون أن من أهم العوامل المؤثرة في المشهد العقاري خلال 2026 التوسع في تطبيق منظومة التسجيل العيني، إلى جانب انتقال تنفيذ التصرفات العقارية في مناطق رئيسية، وفي مقدمتها الرياض، إلى السجل العقاري. هذه النقلة المؤسسية، بحسب خبراء، لا تمثل مجرد تحديث إجرائي، بل تعيد ضبط قواعد التملك والتداول والشفافية، وتدفع السوق إلى مرحلة جديدة من التنظيم والانضباط.
ويعني ذلك أن المقارنات السنوية المباشرة لم تعد كافية لفهم حركة القطاع، لأن البيئة التشغيلية نفسها تغيرت. فبعض الصفقات الكبرى التي كانت تظهر سريعاً في البيانات الرسمية أصبحت تخضع اليوم لإجراءات أكثر تنظيماً، ما أدى إلى تباطؤ مؤقت في الأرقام الظاهرة، في مقابل تحسن متوقع على مستوى جودة الأصول والتوثيق والحوكمة.
وتنعكس هذه التحولات أيضاً على سلوك المستثمرين والمطورين، الذين باتوا يركزون على العوائد طويلة الأجل والطلب الحقيقي بدلاً من المضاربة السريعة. كما ساعدت هذه البيئة على توجيه الاهتمام إلى المشاريع السكنية المنظمة والمجمعات المتكاملة، إلى جانب الأصول اللوجستية والصناعية التي ترتبط مباشرة بالنمو الاقتصادي ومشروعات البنية التحتية.
السيولة تنتقل إلى الأصول ذات الجدوى الأعلى
في قراءة موازية، يعتقد محللون أن ما يحدث في السوق السعودية هو تحول في طبيعة السيولة وليس تراجعاً في جاذبية القطاع. فمع تزايد وضوح التنظيمات وارتفاع مستوى التدقيق، أصبحت السيولة أكثر تحفظاً وانتقائية، متجهة إلى الأصول التي تمتلك تدفقات نقدية أفضل أو طلباً سكانياً وتشغيلياً ثابتاً.
هذا التحول يفسر جزئياً لماذا جاءت التراجعات في أحجام التداول أكبر بكثير من تراجعات الأسعار. فالأصول العقارية ذات القيمة العالية والصفقات الضخمة عادة ما تكون أكثر حساسية للتغيرات السياسية والتنظيمية، بينما تبقى العقارات المرتبطة بالاستخدام الفعلي أكثر ثباتاً في التسعير. لذلك، فإن استمرار الطلب في المناطق الحيوية والمنتجات السكنية الأساسية قد يحد من الضغوط السعرية ويمنع انتقال الهبوط إلى بقية الشرائح.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسواق العقارية في المملكة مرتبطة بوضوح بحركة التمويل وثقة المستثمر، لكن هذين العاملين لم يعودا المحدد الوحيد لمسار السوق. فالأولوية انتقلت تدريجياً إلى كفاءة الاستخدام، وشفافية الملكية، واستقرار البيئة التشريعية، وهي عناصر تتقدم عادة على حساب الصفقات السريعة والمضاربات القصيرة الأجل.
النصف الثاني مرشح لتحسن انتقائي
يتوقع خبراء أن يشهد النصف الثاني من 2026 تحسناً تدريجياً في النشاط العقاري، لكن من دون عودة سريعة إلى مستويات التداول القياسية التي سُجلت في سنوات سابقة. فالسوق، وفق هذا التقدير، ما زالت في مرحلة انتقالية تتشكل فيها قواعد جديدة للتعامل، بينما يحتاج أثر الإصلاحات التنظيمية إلى وقت حتى يظهر كاملاً في الأرقام.
ويرجح المراقبون أن يكون التحسن المقبل نوعياً أكثر منه كمياً، أي أنه قد يظهر في جودة الأصول المتداولة، وفي زيادة الإقبال على المشاريع التي تخدم الطلب الحقيقي، بدلاً من الارتفاع الشامل في عدد الصفقات. كما أن المشروعات السكنية المتكاملة يُنتظر أن تلعب دوراً أساسياً في دعم الحركة، إلى جانب الأصول اللوجستية والصناعية المرتبطة بالتوسع الاقتصادي والمشروعات الكبرى.
وفي هذا السياق، قد تصبح مؤشرات مثل الشفافية، وسرعة التسجيل، وتنوع المنتجات العقارية أكثر أهمية من مجرد حجم المبيعات. فالسوق التي كانت تُقاس سابقاً بعدد الصفقات وحدها، تبدو اليوم أقرب إلى نموذج يوازن بين الاستدامة والحوكمة والتخصص في استخدام رأس المال.
سوق تتجه إلى التوازن لا الانكماش
الخلاصة التي تبرز من البيانات والتقديرات المتاحة هي أن السوق العقارية السعودية لا تمر بمرحلة انكماش بقدر ما تعيش إعادة تموضع واسعة النطاق. فالتراجع في الصفقات والقيم لا يبدو معزولاً عن التحولات التنظيمية والجيوسياسية، كما أن محدودية تراجع الأسعار تشير إلى بقاء الطلب الأساسي قائماً في المواقع ذات الجاذبية الحقيقية.
وعليه، فإن الصورة الأقرب للمرحلة المقبلة هي سوق أكثر انتقائية، وسيولة أكثر حذراً، ونشاط أقل اندفاعاً، لكن مع فرص أوضح للأصول المرتبطة بالاستخدام الفعلي والجدوى الاستثمارية الطويلة. وفي بيئة كهذه، يصبح نجاح السوق مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز الثقة في منظومتها التنظيمية.