06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

شركات الذكاء الاصطناعي تقود انتعاش الاكتتابات العامة في السوق الصينية

تشهد سوق الاكتتابات العامة في الصين عودة قوية تقودها شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مدعومة بسياسات تنظيمية جديدة وتزايد شهية المستثمرين لإصدارات الرقائق وأشباه الموصلات والروبوتات.

طفرة جديدة في سوق الإدراجات الصينية

تتجه سوق الاكتتابات العامة الأولية في الصين إلى تسجيل أفضل أداء لها منذ عام 2023، مع تصدّر شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي موجة الإدراجات الجديدة في البر الرئيسي. ويعكس هذا الزخم رهانا متزايدا من بكين على الشركات المرتبطة بالرقائق وأشباه الموصلات والأنظمة الذكية، في إطار سعيها إلى تقليص الاعتماد الخارجي وتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي.

وخلال الأشهر الأولى من العام، جمعت شركات التكنولوجيا المدرجة في السوق الصينية تمويلا تجاوز 3.1 مليار دولار حتى 18 يونيو، وهو مستوى يفوق بأكثر من خمسة أضعاف حصيلة الفترة نفسها من العام الماضي. ويشير ذلك إلى تحسن واضح في شهية المستثمرين وعودة تدريجية للثقة في سوق الإدراج المحلية بعد فترة من التباطؤ.

كما تقدمت قرابة 50 شركة، من بينها شركات ناشئة في الروبوتات وأشباه الموصلات، بطلبات طرح عام أولي في بورصتي شنغهاي وشنتشن. وتستهدف هذه الشركات جمع ما لا يقل عن 126.1 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 18.7 مليار دولار، ما يجعل العام الحالي مرشحا لأن يكون من الأقوى منذ ثلاث سنوات من حيث قيمة الشركات المدرجة.

الذكاء الاصطناعي في قلب السياسة الصناعية

التحول في سوق الطروحات لا يمكن فصله عن السياسة الصناعية الصينية الأوسع. ففي 17 يونيو، أبدت الجهات التنظيمية دعمها لإدراج الشركات الناشئة العاملة في صناعات مستقبلية، مثل تكنولوجيا الكم والاندماج النووي وواجهات الدماغ والحاسوب. هذا التوجه يعكس رغبة رسمية في توجيه رأس المال المحلي نحو القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية.

وفي السياق نفسه، أصدرت بورصة شنغهاي قواعد جديدة لتسهيل إدراج الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي ضمن سوق ستار المخصصة للتكنولوجيا. وتهدف هذه الخطوة إلى جعل السوق أكثر جاذبية للشركات ذات النمو المرتفع، وتوفير مسار أسرع وأكثر مرونة للإدراج مقارنة بالآليات التقليدية.

ويرى محللون أن هذه التسهيلات التنظيمية ليست مجرد إجراء فني، بل جزء من مسعى أوسع لدعم منظومة الابتكار الصينية، خاصة في المجالات التي ترتبط مباشرة بالمنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة. فكل إدراج ناجح في هذا القطاع لا يضيف فقط إلى السيولة، بل يمنح الشركات أيضا منصة تمويلية تعزز قدرتها على التوسع والبحث والتطوير.

عودة رؤوس الأموال إلى السوق المحلية

شهدت السوق الصينية خلال 2024 تباطؤا واضحا في إدراجات شركات التكنولوجيا، مع تحول بعض الشركات إلى بورصة هونغ كونغ بحثا عن تمويل خارجي. لكن العام الحالي يظهر عودة تدريجية إلى السوق المحلية، مدفوعة بتغيرات تنظيمية وبتحسن الثقة في الطلب الداخلي على الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، تراجعت حصيلة إدراجات شركات التكنولوجيا الصينية في السوق المحلية إلى 2.7 مليار دولار في 2024، مقارنة بـ15.7 مليار دولار في 2023، قبل أن ترتفع مجددا إلى 3.6 مليار دولار في 2025. وفي المقابل، جمعت شركات التكنولوجيا الصينية في هونغ كونغ 6.6 مليار دولار في العام نفسه، ما يوضح حجم المنافسة بين المنصتين على استقطاب الطروحات الكبرى.

ويقول خبراء في أسواق المال إن استعادة السوق المحلية لدورها في تمويل التكنولوجيا قد تكون لها آثار مهمة على المدى المتوسط، لأنها تسمح للشركات بالوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين المحليين، وتخفف اعتمادها على أسواق خارجية قد تكون أكثر تقلبا أو أقل توافقا مع أولويات بكين الصناعية.

دعم تنظيمي وتحسن في تقييمات المستثمرين

في المنتدى المالي الذي عُقد في شنغهاي مطلع الشهر الجاري، أكدت لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية أنها ستدعم الشركات المؤهلة المدرجة في هونغ كونغ إذا رغبت في الإدراج داخل البر الرئيسي. ويُتوقع أن يفتح هذا التوجه الباب أمام مجموعة أوسع من الشركات للحصول على تمويل محلي، خصوصا تلك التي تبحث عن سيولة إضافية أو عن توسيع قاعدة مستثمريها.

ويشير محللون إلى أن هذه السياسة قد تخلق مسارا مزدوجا للإدراج، يمنح الشركات مرونة أكبر بين هونغ كونغ والبر الرئيسي. كما أن إمكانية إدراج شركات من خارج الصين في هونغ كونغ مستقبلا، ثم انتقالها إلى السوق المحلية، قد تعزز تنوع الفرص الاستثمارية وتدعم تداولات السوق.

ويقول مصرفيون إن قوة الطروحات الأخيرة لعبت دورا في رفع التوقعات بشأن بقية العام. فقد حققت بعض الإدراجات الحديثة مكاسب كبيرة بعد بدء التداول، وهو ما عزز ثقة المستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء. كما أن الأداء القوي لهذه الأسهم رسخ القناعة بأن السوق ما زالت مستعدة لمكافأة الشركات التي ترتبط مباشرة بموجة الذكاء الاصطناعي.

شركات محددة تقود الموجة

من بين أبرز الأسماء التي تعكس هذا الاتجاه شركة تيبو إيه آي، التي جمعت 4.35 مليار دولار هونغ كونغ في طرحها الأولي بهونغ كونغ في يناير، ثم أعلنت لاحقا عن هدفها لجمع 15 مليار يوان عبر الإدراج في سوق ستار. كما أفاد مصدر مطلع بأن شركة كونلونشين التابعة لبايدو، والمتخصصة في تصنيع الرقائق، تدرس طرحا محليا أصغر حجما، رغم انتظارها موافقة لإدراج في هونغ كونغ.

وتُظهر هذه الخطط كيف باتت الشركات الصينية الكبرى والناشئة تنظر إلى الإدراج في البر الرئيسي باعتباره وسيلة لتعزيز التمويل المحلي، وليس فقط منصة لزيادة الظهور. فالاقتراب من المستثمر الصيني يمنح هذه الشركات قدرة أكبر على بناء علامة تجارية محلية قوية، إلى جانب توسيع نطاق جمع رأس المال.

ويرى محللون في المصارف الاستثمارية أن الإدراج المحلي قد يكون أكثر ملاءمة لبعض الشركات التي ترتبط أعمالها مباشرة بسلاسل التوريد التقنية داخل الصين، مثل شركات الرقائق والمكونات الذكية والروبوتات. فهذه الشركات تستفيد من الرسائل السياسية الداعمة، ومن رغبة السلطات في تطوير سلاسل قيمة داخلية أكثر استقلالا.

الطلب القوي يعيد الثقة إلى السوق

لم يأتِ هذا التحسن من فراغ، بل مدعوما بطلب قوي من المستثمرين على بعض الاكتتابات الحديثة. فقد ارتفعت أسهم شركة إس جيه كورب لأشباه الموصلات بأكثر من ثمانية أضعاف سعر الطرح، بينما قفزت أسهم شركة سيميت إنسترومنتس بنحو 28 ضعفا مقارنة بسعر الإدراج. وهذه الارتفاعات الحادة ساعدت في إعادة تشكيل توقعات السوق بشأن عوائد الاستثمار في هذا القطاع.

ويقول مديرون تنفيذيون في بنوك استثمار إن مثل هذه الطروحات الناجحة لا تؤثر فقط على الشركات المدرجة، بل تمتد إلى السوق ككل عبر جذب مزيد من الاهتمام المؤسسي، وتحفيز شركات أخرى على الإسراع في تقديم ملفاتها. كما أن الصناديق المباشرة وصناديق رأس المال المخاطر بدأت ترى في الاكتتابات الجديدة فرصة لاستعادة بعض العوائد المؤجلة منذ سنوات.

ويؤكد محللون أن الانتعاش الحالي في الصين جزء من موجة عالمية أوسع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن خصوصيته تكمن في تداخله مع أهداف الدولة الصناعية. فبينما تسعى الأسواق العالمية إلى الاستثمار في النمو التقني، تضيف الصين بعدا استراتيجيا يتمثل في بناء قاعدة تكنولوجية وطنية أكثر صلابة.

البر الرئيسي يستعيد موقعه في خريطة التكنولوجيا

بعد سنوات من الصعود والهبوط بين البر الرئيسي وهونغ كونغ، تبدو السوق الصينية الداخلية وكأنها تستعيد موقعها كمركز رئيسي لتمويل التكنولوجيا. وإذا استمر الزخم الحالي، فقد تصبح الإدراجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق من أبرز محركات سوق الأسهم الصينية في النصف الثاني من العام.

لكن هذا المسار سيظل مرتبطا بقدرة الشركات على تحويل الزخم التقييمي إلى نمو فعلي في الأرباح والإيرادات. فالمستثمرون، رغم حماسهم الواضح، يراقبون أيضا قدرة هذه الشركات على الحفاظ على وتيرة الابتكار وتوسيع أعمالها في بيئة تنافسية شديدة، محليا وعالميا.

وفي المحصلة، تعكس الموجة الحالية أكثر من مجرد انتعاش مؤقت في الطروحات. إنها إشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرا مركزيا في إعادة تشكيل أسواق رأس المال في الصين، وفي توجيه التمويل نحو القطاعات التي تراها الدولة محورية لمستقبلها الاقتصادي والتكنولوجي.