06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

السياحة السعودية تسجل توسعاً قياسياً في التراخيص وتجاوز العاملين مليوناً في الربع الأول 2026

أظهرت بيانات رسمية نمواً قوياً في قطاع السياحة السعودي خلال الربع الأول من 2026، مع زيادة حادة في عدد مرافق الضيافة المرخصة وتجاوز عدد المشتغلين في الأنشطة السياحية مليون عامل، مقابل تراجع في أسعار بعض الخدمات الفندقية.

نمو واضح في البنية السياحية

سجل قطاع السياحة في السعودية خلال الربع الأول من عام 2026 مؤشرات توسع لافتة على مستوى التراخيص والمنشآت وسوق العمل، في وقت أظهرت فيه الأسعار والإشغال في بعض المكونات الفندقية حركة تصحيحية أكثر هدوءاً. وتكشف البيانات الرسمية عن استمرار القطاع في ترسيخ حضوره ضمن القطاعات الأكثر حيوية في الاقتصاد غير النفطي، مع اتساع قاعدة المرافق المرخصة وتنامي مشاركة القوى العاملة.

ووفقاً للبيانات، ارتفع عدد مرافق الضيافة السياحية المرخصة إلى 6122 مرفقاً مقارنة بـ4988 مرفقاً في الفترة نفسها من العام السابق، بما يعادل نمواً سنوياً نسبته 22.7 في المائة. ويعكس هذا الارتفاع تسارعاً في الإقبال على الاستثمار في الأنشطة المرتبطة بالإيواء والخدمات السياحية، سواء في المدن الرئيسة أو في الوجهات التي تشهد تطويراً متنامياً للبنية التحتية والخدمات.

وتوزعت المرافق المرخصة بين 3159 منشأة من الشقق المخدومة ومرافق الضيافة الأخرى، بنسبة 51.6 في المائة من الإجمالي، مقابل 2963 فندقاً شكّلت 48.4 في المائة. ويشير هذا التوزيع إلى اتساع الخيارات أمام الزوار، وتنوع نماذج التشغيل التي تستجيب لاختلاف الطلب بين الإقامة القصيرة والطويلة، إضافة إلى تفضيلات المسافرين من الداخل والخارج.

المنشآت السياحية تتوسع والتوظيف يرتفع

لم يقتصر النمو على عدد المرافق فقط، بل شمل أيضاً توسعاً في قاعدة المنشآت السياحية التي تضم مشتغلين. فقد بلغ عدد هذه المنشآت نحو 177031 منشأة خلال الربع الأول من 2026، بنمو سنوي قدره 9 في المائة مقارنة بـ162473 منشأة في الفترة المماثلة من العام الماضي. ويعكس ذلك اتساع النشاط التشغيلي في سلاسل الإمداد والخدمات المساندة والأنشطة التشغيلية المرتبطة بالقطاع.

وعلى صعيد سوق العمل، تجاوز عدد العاملين في الأنشطة السياحية حاجز المليون، ليصل إلى 1047313 مشتغلاً، مقابل 983253 مشتغلاً في الربع الأول من 2025، بزيادة سنوية بلغت 6.5 في المائة. وتؤكد هذه الأرقام أن السياحة لم تعد قطاعاً خدمياً فقط، بل أصبحت منصة تشغيلية مهمة تستوعب مزيداً من الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

وبحسب البيانات نفسها، بلغ عدد السعوديين العاملين في الأنشطة السياحية 250094 مشتغلاً، ما يمثل 23.9 في المائة من إجمالي القوى العاملة في القطاع، في حين بلغ عدد غير السعوديين 797219 مشتغلاً بنسبة 76.1 في المائة. وتوضح هذه التركيبة أن القطاع ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، مع وجود مساحة مستمرة لتعزيز الحضور الوطني في مختلف المستويات الوظيفية.

إشغال مرن وأسعار أكثر هدوءاً

أظهرت مؤشرات الأداء التشغيلي تراجعاً طفيفاً في بعض البنود، مع بقاء الصورة العامة مستقرة نسبياً. فقد انخفض معدل إشغال الغرف الفندقية إلى 60.8 في المائة خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ63 في المائة في الفترة نفسها من 2025، أي بتراجع قدره 2.2 نقطة مئوية. ويُفهم هذا التراجع في سياق طبيعي لتحركات العرض والطلب الموسمية، خصوصاً مع استمرار توسع المعروض من الغرف والمرافق.

في المقابل، سجلت الشقق المخدومة ومرافق الضيافة الأخرى تحسناً محدوداً في الإشغال، إذ ارتفع المعدل إلى 51.6 في المائة مقارنة بـ50.7 في المائة قبل عام، بما يعادل زيادة قدرها نقطة مئوية واحدة تقريباً. ويعكس ذلك أن بعض أنماط الإقامة البديلة ما زالت تحافظ على جاذبية ملحوظة لدى شريحة من الزوار، لا سيما من يبحثون عن خيارات أكثر مرونة.

أما على مستوى الأسعار، فقد هبط متوسط السعر اليومي للغرفة الفندقية إلى 423 ريالاً، بعد أن كان 477 ريالاً في الربع المماثل من 2025، أي بانخفاض نسبته 11.4 في المائة. كما تراجع متوسط السعر اليومي في الشقق المخدومة ومرافق الضيافة الأخرى بصورة طفيفة إلى 206 ريالات مقارنة بـ209 ريالات، بانخفاض 1.2 في المائة. وتشير هذه الحركة إلى أن السوق يدخل مرحلة أكثر تنافسية، تجمع بين ارتفاع المعروض وتحسن كفاءة التسعير لدى بعض المشغلين.

متوسط الإقامة يشير إلى طلب أكثر استقراراً

على الرغم من تراجع بعض مؤشرات الأسعار والإشغال في الفنادق، فإن متوسط مدة إقامة النزيل أظهر تحسناً، وهو ما يمنح السوق إشارة مختلفة عن مجرد قراءة نسب الإشغال اليومية. ففي الفنادق، ارتفع متوسط مدة الإقامة إلى 4.2 ليلة، مقارنة بـ4.1 ليلة قبل عام، بنمو نسبته 2 في المائة. وفي الشقق المخدومة، صعد المتوسط إلى 2.2 ليلة مقابل 2.1 ليلة، بزيادة 1.2 في المائة.

ويُعد هذا المؤشر مهماً لأنه يعكس قدرة القطاع على الاحتفاظ بالنزيل لفترة أطول، ما يعني أن بعض المقاصد السياحية أو أغراض السفر باتت تدعم إقامة ممتدة نسبياً، سواء لأسباب ترفيهية أو أعمال أو زيارات عائلية. كما يساهم ارتفاع مدة الإقامة في تحسين كفاءة التشغيل وتعظيم الاستفادة من المرافق القائمة، حتى في حال تراجع معدلات الإشغال بشكل طفيف.

دلالات اقتصادية أوسع للقطاع

تعكس هذه المؤشرات مجتمعة أن السياحة في السعودية تدخل مرحلة أكثر نضجاً من حيث البنية المؤسسية وسوق العمل والقدرة الاستيعابية. فارتفاع عدد التراخيص يشير إلى تدفق استثمارات جديدة، وتوسع عدد المنشآت يعكس اتساع النشاط الاقتصادي المرتبط بالقطاع، بينما يمثل تجاوز العاملين مليون مشتغل علامة فارقة في مساهمة السياحة في خلق فرص العمل.

ومن الناحية الاقتصادية، يشير تراجع الأسعار اليومية في بعض الفئات إلى سوق أكثر تنافسية، قد يكون مدفوعاً بزيادة المعروض أو بإعادة تموضع في الاستراتيجيات التسعيرية من قبل المشغلين. وفي الوقت نفسه، فإن تحسن متوسط الإقامة يبرز أن الطلب لا يزال قائماً، وأن القطاع قادر على امتصاص جزء من هذا التوسع دون فقدان جاذبيته.

وتأتي هذه النتائج في سياق أوسع يشهد تحولات متسارعة في الاقتصاد السعودي، حيث تمثل السياحة أحد المحركات الرئيسة لتنويع القاعدة الإنتاجية، وتوسيع الإنفاق المحلي، وزيادة فرص العمل، ودعم الأنشطة المرتبطة بالنقل والضيافة والتجزئة والخدمات. ومع استمرار التطوير في البنية التحتية والتنظيمات والتسهيلات الاستثمارية، يبدو أن القطاع مرشح لمزيد من التوسع خلال الفصول المقبلة.

وبين ارتفاع التراخيص، واتساع قاعدة المنشآت، وتجاوز القوى العاملة حاجز المليون، يقدم الربع الأول من 2026 صورة لقطاع سياحي يتقدم بثبات نحو دور أكبر في الاقتصاد الوطني، مع مؤشرات تشغيلية تعكس مزيجاً من التوسع والمرونة والتنافسية.