تتجه الإمارات إلى تعزيز موقعها بين كبار منتجي النفط في العالم، مع توقعات تشير إلى تجاوز إنتاجها 5.2 مليون برميل يومياً في عام 2027، في ظل توسع في الطاقة الإنتاجية واستمرار الاستثمارات الكبرى في قطاع الهيدروكربونات. وتأتي هذه التقديرات في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى زيادة قدرتها على الاستفادة من مواردها بعيداً عن القيود المرتبطة بسياسات الحصص الإنتاجية.
وتعكس هذه الخطط تحوّلاً واضحاً في استراتيجية الطاقة لدى الدولة، إذ يجري التركيز على رفع القدرة الإنتاجية، وتوسيع أنشطة التكرير والتصدير، وتعظيم القيمة المضافة من النفط الخام والمكثفات وسوائل الغاز الطبيعي. كما تستند هذه الرؤية إلى بنية تحتية متطورة تمنح الإمارات هامشاً أوسع للمناورة في الأسواق العالمية.
قفزة متوقعة في الإنتاج خلال عامين
بحسب التقديرات الواردة، قد يضيف الإنتاج الإماراتي نحو 730 ألف برميل يومياً سنوياً، وهو ما يضع البلاد على مسار نمو سريع مقارنة بالمستويات الحالية. كما ارتفعت الطاقة الإنتاجية للنفط الخام من 3.1 مليون برميل يومياً في 2016 إلى نحو 4.4 مليون برميل يومياً بحلول 2026، إلى جانب قدرة إضافية تقارب 1.1 مليون برميل يومياً من المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي.
هذا التطور لا يعكس فقط زيادة في الأرقام، بل يشير أيضاً إلى توسع طويل الأمد في البنية التشغيلية لقطاع الطاقة. فرفع الطاقة الإنتاجية يتطلب أعمال حفر واستكشاف وتطوير حقول جديدة، إضافة إلى تحسين كفاءة الاستخراج وإدارة الإمدادات اللوجستية المرتبطة بالنقل والتصدير.
استثمارات أدنوك تدعم التوسع
تلعب شركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك دوراً محورياً في هذه الخطة، إذ تعمل على تسريع برامج التوسع عبر استثمارات ضخمة في السنوات المقبلة. وتشمل هذه الخطط مشاريع تُقدّر قيمتها بنحو 200 مليار درهم خلال الفترة بين 2026 و2028، ضمن برنامج استثماري أوسع تصل قيمته إلى 150 مليار دولار حتى عام 2030.
وتعني هذه الاستثمارات أن الشركة تستعد لمرحلة توسع كبيرة في الإنتاج والبنية المرتبطة به، سواء على مستوى الحقول أو المعالجة أو النقل. وفي سوق عالمي يتسم بتقلبات مستمرة في الأسعار والطلب، يظل الاستثمار في الطاقة الإنتاجية أحد أهم أدوات الحفاظ على الحصة السوقية وتعزيز القدرة التنافسية.
كما أن التركيز على التوسع يمنح الإمارات مرونة أكبر في التعامل مع أي تغييرات مستقبلية في الطلب العالمي، خاصة إذا شهدت الأسواق نمواً مفاجئاً في الاستهلاك أو اضطرابات في الإمدادات من منتجين آخرين.
القدرة على تجاوز ستة ملايين برميل إذا تطلب السوق
أشار وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي إلى أن بلاده قادرة على رفع إنتاجها إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً إذا ظهرت حاجة واضحة في السوق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا المستوى ليس هدفاً رسمياً في المرحلة الراهنة. ويعكس هذا التصريح استعداداً فنياً وقدرة احتياطية يمكن تفعيلها عند تغير ظروف السوق العالمية.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها توضح أن الإمارات لا تنظر إلى الطاقة الإنتاجية باعتبارها رقماً ثابتاً، بل كأداة استراتيجية قابلة للتوسع وفقاً لظروف العرض والطلب. وفي أسواق الطاقة، تعد هذه المرونة عاملاً مؤثراً في تحديد النفوذ التجاري والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات أو الفرص.
صادرات قوية رغم الاضطرابات الإقليمية
أشارت التقديرات إلى أن صادرات النفط الإماراتية بقيت قوية رغم التوترات الإقليمية، مستندة إلى شبكة نقل وتخزين متقدمة، تشمل خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي تصل سعته إلى 1.8 مليون برميل يومياً، إلى جانب مخزونات نفطية كبيرة في الفجيرة. وتمنح هذه المنظومة الإمارات قناة تصدير أكثر استقراراً وتقلل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة.
وفي مايو، ارتفعت صادرات النفط إلى 3.1 مليون برميل يومياً، بينما صعد الإنتاج إلى 2.8 مليون برميل يومياً. وتدل هذه الأرقام على قدرة السوق الإماراتية على الحفاظ على مستويات تصدير قوية حتى في بيئة جيوسياسية غير مستقرة، وهو عنصر مهم للمستوردين الذين يبحثون عن إمدادات موثوقة وطويلة الأجل.
خط أنابيب جديد لتعزيز التصدير عبر الفجيرة
تعمل أدنوك أيضاً على تسريع مشروع خط أنابيب جديد يربط غرب الدولة بشرقها بهدف مضاعفة طاقة التصدير عبر الفجيرة، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز جزئياً وتقليص المخاطر المرتبطة بالمرور عبره. ومن المتوقع أن يدخل هذا الخط الخدمة في عام 2027، ما قد يضيف بعداً استراتيجياً جديداً لمنظومة التصدير الإماراتية.
وتُعد هذه الخطوة من أبرز عناصر التحول في البنية النفطية الإماراتية، لأنها تمنح البلاد قدرة أكبر على التحكم في مسارات التصدير وتوفير بدائل لوجستية في حالات الاضطراب. كما أنها تدعم هدف التوسع في الإنتاج من خلال ضمان أن الزيادة في الكميات المنتجة ستجد منفذاً آمناً وسريعاً إلى الأسواق العالمية.
ما الذي تعنيه هذه التوقعات للسوق العالمي؟
إذا تحققت هذه الأرقام، فإن الإمارات ستعزز موقعها كأحد الموردين الرئيسيين في سوق النفط العالمي، في وقت تحتاج فيه الأسواق إلى استثمارات جديدة للحفاظ على توازن الإمدادات. كما أن الجمع بين زيادة الإنتاج، وتوسيع التخزين، ورفع طاقة النقل، يمنحها نموذجاً متكاملاً يربط بين المنبع والمصب.
ومن منظور اقتصادي أوسع، تشير هذه الخطط إلى استمرار الرهان الإماراتي على قطاع الطاقة بوصفه ركيزة رئيسية للنمو والاستثمار الخارجي. فالتوسع في الإنتاج لا يقتصر على تعزيز العائدات النفطية فحسب، بل ينعكس أيضاً على قطاعات الخدمات الصناعية والإنشاءات واللوجستيات والتمويل المرتبطة به.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن الإمارات تتحرك نحو مرحلة جديدة من تطوير قطاعها النفطي، حيث تصبح القدرة الإنتاجية العالية، والبنية التحتية المرنة، والاستثمارات طويلة الأجل، عناصر أساسية في صوغ موقعها داخل أسواق الطاقة العالمية.