زيادة جديدة في إطار العودة التدريجية للإمدادات
أقرّت الدول السبع الكبرى في تحالف «أوبك بلس» زيادة جديدة في إنتاج النفط مقدارها 188 ألف برميل يومياً خلال شهر أغسطس المقبل، لتكون بذلك خامس زيادة شهرية متتالية ضمن مسار إعادة الإمدادات التي بدأ تنفيذها تدريجياً منذ العام الماضي. وتأتي الخطوة في وقت تتابع فيه الأسواق العالمية مؤشرات التعافي في حركة الشحن، إلى جانب مخاوف من تراجع الطلب في بعض الأسواق الرئيسية، وعلى رأسها الصين.
القرار يعكس استمرار نهج الحذر في إدارة المعروض العالمي، إذ يوازن التحالف بين دعم استقرار السوق من جهة، وتفادي ضغوط فائض الإمدادات من جهة أخرى. كما يتيح هذا النهج للدول المنتجة مساحة أكبر للتحرك بحسب التطورات الفعلية في الطلب والأسعار والمخزونات.
وجاءت الزيادة الجديدة استكمالاً لتعديلات طوعية إضافية سبق الإعلان عنها في أبريل 2023، في إطار خطة مرنة يمكن تعديلها أو إيقافها أو إعادة فرضها جزئياً أو كلياً بحسب ظروف السوق.
الدول السبع وتوزيع الحصص الجديدة
شملت الزيادة السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، وهي الدول التي أكدت مجدداً التزامها الجماعي باستقرار السوق البترولية. ووفق التوزيع الجديد، حصلت السعودية وروسيا على أكبر حصة من الزيادة بواقع 62 ألف برميل يومياً لكل منهما.
وبحسب الأرقام المعلنة، ارتفع الهدف الإنتاجي المطلوب من السعودية إلى 10.416 مليون برميل يومياً، ومن روسيا إلى 9.887 مليون برميل يومياً. كما حصل العراق على زيادة قدرها 26 ألف برميل يومياً ليصل مستهدفه إلى 4.405 مليون برميل يومياً، فيما ارتفعت حصة الكويت بمقدار 16 ألف برميل يومياً ليبلغ هدفها 2.660 مليون برميل يومياً.
وفي المجموعة نفسها، تمت زيادة كازاخستان 10 آلاف برميل يومياً ليصل مستهدفها إلى 1.618 مليون برميل يومياً، بينما حظيت الجزائر بزيادة 6 آلاف برميل يومياً ليبلغ هدفها 1.001 مليون برميل يومياً. أما سلطنة عُمان فحصلت على زيادة 5 آلاف برميل يومياً ليصل مستهدفها إلى 836 ألف برميل يومياً.
وبذلك يصل إجمالي الإنتاج المستهدف للمجموعة إلى 30.823 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يعكس استمرار عملية إعادة الضخ بصورة متدرجة ومدروسة.
عوامل السوق: الملاحة والطلب والمخاطر الجيوسياسية
توقيت القرار لم يأتِ بمعزل عن التطورات الميدانية في أسواق الطاقة. فالملاحة النفطية عبر مضيق هرمز بدأت تستعيد جزءاً من انتظامها بعد التفاهم المؤقت بين واشنطن وطهران في منتصف يونيو، ما خفف المخاوف المرتبطة بتعطل الإمدادات في أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.
ووفق بيانات شركة تتبع السفن «كبلر»، استقرت الحركة اليومية عبر المضيق منذ بداية يوليو عند نطاق يتراوح بين 30 و60 عبوراً، بمتوسط يقارب 40 سفينة يومياً خلال الأسبوع السابق. هذه المؤشرات ساهمت في تهدئة جزء من القلق الذي كان يضغط على الأسواق خلال فترة التوتر.
وفي المقابل، لا تزال الأسواق تتعامل مع احتمالات فائض معروض في الأشهر المقبلة، خاصة مع استمرار التباطؤ الاقتصادي في الصين، وهو ما يضع جانب الطلب تحت الضغط. كما أن عودة التدفقات النفطية من مناطق كانت قد تأثرت بالاضطرابات السابقة قد تضيف مزيداً من الإمدادات إلى السوق خلال الفترة القادمة.
مرونة عالية ومراجعة مستمرة للقرارات
أكد بيان التحالف أن الزيادة الجديدة ليست خطوة نهائية أو ثابتة، بل جزء من سياسة مرنة قابلة للتعديل بحسب المعطيات. وذكرت الدول المشاركة أن التعديلات الطوعية الإضافية يمكن إعادة فرضها جزئياً أو كلياً إذا تغيرت ظروف السوق، مع الاحتفاظ بحق زيادة الإنتاج أو إيقاف الزيادة أو التراجع عنها عند الحاجة.
كما شدد البيان على أن الدول السبع ستواصل مراقبة السوق عن كثب، مع التأكيد على أهمية الالتزام الكامل بإعلان التعاون والقرارات المرتبطة به. ويشمل ذلك متابعة أي فائض في الإنتاج منذ يناير 2024 والعمل على تعويضه بشكل كامل، إلى جانب مراقبة التزام الأعضاء بالحصص المعلنة.
هذا النهج يعكس محاولة واضحة للحفاظ على توازن دقيق بين مصالح المنتجين واحتياجات السوق العالمية. فكل زيادة محدودة في الإمدادات قد تسهم في تهدئة ارتفاع الأسعار أو استباق نقص محتمل، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إدارة دقيقة لتجنب إضعاف الأسعار بشكل مفرط.
تأثيرات محتملة على الأسعار وتوقعات المرحلة المقبلة
تفاعلت الأسواق العالمية مع بوادر استعادة حركة الإمدادات وتراجع المخاطر الجيوسياسية، إذ فقد خام برنت جزءاً كبيراً من مكاسبه التي حققها خلال فترة التوتر، ليعود إلى نطاق أقرب إلى المستويات السابقة للأزمة. ويعكس ذلك حساسية سوق النفط العالية تجاه أي تغير في مسارات الشحن أو قرارات الإنتاج.
ويرى محللون أن جزءاً من النفط الذي يتحرك حالياً عبر المضيق كان قد جرى تخزينه مؤقتاً في ناقلات ومخازن بحرية خلال فترات الاضطراب، ما يعني أن عودته إلى السوق تحتاج بعض الوقت قبل أن تظهر آثارها الكاملة على العرض الفعلي. كما أن إعادة تشغيل الآبار المغلقة واستئناف العمليات المتوقفة ليست عملية فورية، بل تتطلب ترتيبات تشغيلية قد تمتد لأسابيع.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن أثر التحسن الفعلي في الإمدادات قد يتضح أكثر خلال يوليو، على أن يتسارع في أغسطس مع تنفيذ الزيادة الجديدة. لكن في المقابل، تبقى المخاوف قائمة من ضغوط نزولية لاحقة إذا استمر فائض المعروض المتوقع في العام المقبل، خصوصاً في حال لم يواكب الطلب العالمي هذا النمو في الإمدادات.
ومن المنتظر أن يعقد التحالف اجتماعه المقبل في 2 أغسطس، في محطة جديدة ستكشف ما إذا كان المسار التدريجي للإنتاج سيستمر بالوتيرة نفسها أو سيخضع لتعديل جديد وفق تطورات السوق.