حققت السعودية تقدماً جديداً في مؤشر التنمية البشرية العالمي بعد وصولها إلى المرتبة 37، في إشارة إلى التحول المتسارع الذي تشهده سياسات الاستثمار في الإنسان بوصفه المحرك الأساسي للنمو طويل الأمد. ويعكس هذا التقدم اتساع نطاق الإصلاحات والمبادرات التي تستهدف التعليم والمهارات والتشغيل والابتكار، ضمن مسار تنموي يربط بين بناء القدرات الوطنية وتعزيز التنافسية الاقتصادية.
وجاء التقرير السنوي لبرنامج تنمية القدرات البشرية لعام 2025، تحت شعار «أثر ممتد»، ليعرض حصيلة من الإنجازات التي تجاوزت المستهدفات المرسومة في عدد من المحاور. ويظهر التقرير أن المقاربة السعودية في التنمية لم تعد تركز على المؤشرات التقليدية فحسب، بل تتجه إلى بناء منظومة متكاملة ترفع جاهزية المواطن للتعامل مع التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة.
الإنسان في قلب المعادلة التنموية
يرتكز البرنامج على شبكة واسعة من الشراكات بين 84 جهة تنفيذية من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، ما يعكس طبيعة العمل التشاركي الذي تتطلبه خطط تنمية القدرات. ويضم البرنامج 16 هدفاً استراتيجياً مرتبطة بثلاثة أهداف كبرى في رؤية السعودية 2030، تشمل تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية، وتمكين حياة صحية وعامرة، وزيادة معدلات التوظيف.
هذا التكامل بين القطاعات يوضح أن التطور في رأس المال البشري لم يعد ملفاً تعليمياً معزولاً، بل أصبح جزءاً من بنية الاقتصاد الوطني. فكل تقدم في جودة التعليم والمهارات الرقمية والجاهزية المهنية ينعكس مباشرة على الإنتاجية، وعلى قدرة السوق السعودية على استيعاب الوظائف الجديدة التي يفرضها الاقتصاد المعرفي.
تعزيز الهوية الوطنية والانتشار الرقمي
بدأ التقرير من محطة «هوية تُرسَّخ»، التي تركز على قيم الانتماء والاعتزاز باللغة العربية، إلى جانب إبراز المحتوى الوطني على المستويين المحلي والدولي. ومن أبرز المشاريع في هذا المسار منصة «سعوديبيديا»، التي تعمل على إثراء المعرفة السعودية وإتاحتها عبر ست لغات، بما يسهم في توسيع حضور المملكة رقمياً وتعزيز صورتها العالمية.
كما سجّلت مبادرة «كنوز السعودية» حضوراً لافتاً عبر أعمال إبداعية حصدت جوائز دولية، وهو ما يشير إلى أن الاستثمار في الهوية والثقافة يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية ومعرفية، لا سيما حين يُدمج في أدوات رقمية ومنصات متعددة اللغات تستهدف الجمهور العالمي.
التعليم والذكاء الاصطناعي في صدارة التحول
في محطة «أساس يُبنى»، ركز البرنامج على تطوير منظومة تعليمية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة المستقبل. ومن أبرز الخطوات إدراج منهج الذكاء الاصطناعي كمقرر إلزامي في التعليم العام، وهو قرار يعكس توجهاً واضحاً نحو تأهيل الأجيال المقبلة لفهم التقنيات الحديثة واستخدامها بصورة عملية ومنهجية.
ولم يقتصر التقدم على المناهج، بل شمل أيضاً تأهيل أكثر من 13 ألف معلم ومعلمة في تطبيقات ومجالات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إطلاق منصة وطنية لتطوير القدرات المهنية للمعلمين، استفاد منها أكثر من 470 ألف متدرب ومتدربة. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل التحول الرقمي المتسارع، إذ لم تعد كفاءة المعلم تقاس بالمعرفة التقليدية فقط، بل بقدرته على توظيف الأدوات الرقمية وتحويل الفصول الدراسية إلى بيئات تعلم مرنة ومتصلة بالاقتصاد المعرفي.
ربط التعليم بسوق العمل
في المحطة المعنية بـ«الجاهزية»، ركز البرنامج على تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. وظهر ذلك في تمكين الفئات المختلفة داخل النظام التعليمي، حيث ارتفعت نسبة التحاق الطلاب من ذوي الإعاقة بالمؤسسات التعليمية بنسبة 70 في المائة، كما تجاوزت نسبة التحاق الطلاب الموهوبين بالبرامج الخاصة 42 في المائة.
وعلى المستوى الجامعي، حققت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن المرتبة 67 عالمياً في تصنيف «QS» لعام 2026، وهو إنجاز ينسجم مع مستهدفات البرنامج في دعم الجامعات السعودية للاقتراب من معايير التنافسية الدولية. كما جرى ابتعاث أكثر من 28400 طالب وطالبة إلى أفضل 200 جامعة ومعهد عالمياً، بينهم أكثر من 3800 في أفضل 30 مؤسسة أكاديمية حول العالم، بما يعكس استثماراً مباشراً في الكفاءات القادرة على قيادة القطاعات المستقبلية.
وفي موازاة ذلك، دشنت ثلاثة أكاديميات جديدة في قطاع التدريب التقني والمهني بالشراكة مع القطاعين الحكومي والخاص، في خطوة تدعم توطين الوظائف عالية المهارة. وبلغت نسبة التوطين في هذه الوظائف 39.9 في المائة، مقتربة من المستهدف النهائي البالغ 40 في المائة، وهو مستوى يبرز الأثر العملي لسياسات المواءمة بين التعليم والتشغيل.
ابتكار وريادة أعمال في بيئة أكثر نضجاً
أما محطة «ريادة تتجدد» فتركز على تحويل البيئة التعليمية والمعرفية إلى منصة لتوليد الشركات الناشئة والأفكار القابلة للنمو. وتشير نتائج التقرير إلى أن الشراكات مع جامعات عالمية أسهمت في احتضان وتدريب الشركات الريادية الرقمية، إلى جانب دعم الشركات الناشئة الجامعية وربطها بمصادر التمويل وفرص الاستثمار.
هذا التوجه يحمل دلالات مهمة للاقتصاد الرقمي، إذ لم تعد الجامعات مجرد جهات مانحة للشهادات، بل أصبحت مراكز إنتاج للابتكار وريادة الأعمال. ومع توسع الدعم للمشاريع الرقمية الناشئة، تتعزز فرص بناء شركات محلية قادرة على المنافسة في أسواق إقليمية ودولية، خصوصاً في مجالات التقنية التعليمية، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحلول المؤسسية.
مؤتمر دولي يعزز موقع المملكة كمركز للمهارات المستقبلية
تجسد الزخم الدولي للبرنامج أيضاً في النسخة الثانية من «مؤتمر مبادرة القدرات البشرية»، التي شهدت مشاركة 300 متحدث من 40 دولة، وحضوراً بلغ نحو 13 ألف مشارك من 120 دولة، إلى جانب مائة جلسة حوارية. وأعلن خلال المؤتمر عن أكثر من 100 إطلاق ومبادرة تغطي قطاعات متعددة في تنمية القدرات البشرية، بقيمة إجمالية تقارب 8.5 مليار ريال.
وتدل هذه النتائج على أن السعودية لا تكتفي بتحسين مؤشرات التنمية الداخلية، بل تسعى أيضاً إلى لعب دور دولي في صياغة نقاشات المستقبل حول المهارات والتأهيل وسوق العمل. وفي ظل التحول العالمي نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية مثل هذه المبادرات التي تربط بين السياسات التعليمية والاستثمار في البشر والاقتصاد الرقمي.
وبالنظر إلى مجمل ما تحقق، يبدو أن تقدم السعودية في مؤشر التنمية البشرية يعكس أكثر من مجرد ترتيب دولي؛ فهو يعبر عن انتقال من مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة تعظيم الأثر. ومع استمرار توسيع برامج التعليم والابتعاث والتدريب والابتكار، تتعزز قدرة المملكة على إنتاج رأس مال بشري مؤهل لمتطلبات الاقتصاد الجديد، وعلى تحويل التنمية البشرية إلى رافعة مباشرة للنمو والتنافسية.