تتجه اليابان إلى مرحلة جديدة من إصلاحات الحوكمة المؤسسية، بعد أن أثارت تعديلات مقترحة على مدونة الحوكمة توقعات بأن الشركات المدرجة ستبدأ أخيراً في تشغيل جزء أكبر من سيولتها الضخمة، التي تُقدَّر بنحو 1.8 تريليون دولار.
وتستهدف التعديلات، التي يُنتظر إقرارها خلال الصيف، ترسيخ مبدأ الاستخدام الكفء للنقد داخل الشركات، سواء عبر زيادة التوزيعات للمساهمين أو إعادة شراء الأسهم أو توجيه الأموال نحو الاستحواذات والاستثمار في النمو. ويأتي ذلك امتداداً لمسار إصلاحي استمر أكثر من عقد وأسهم في دعم أسعار الأسهم اليابانية إلى مستويات قياسية.
ضغط متزايد على الشركات للاستخدام الفعّال للسيولة
ظل كثير من الشركات اليابانية لفترة طويلة يحتفظ باحتياطيات نقدية كبيرة، وهو سلوك ارتبط بسنوات الانكماش الاقتصادي وبالصدمة التي أعقبت انفجار فقاعة الأصول في أوائل التسعينيات. لكن مع ارتفاع التضخم، بدأت قيمة هذه الأرصدة تتآكل تدريجياً، ما زاد من الضغط على الإدارات التنفيذية لإعادة النظر في استراتيجيات إدارة رأس المال.
ويرى محللون أن الرسالة الجديدة من الجهات التنظيمية والسوقية واضحة: الاكتفاء بتكديس النقد لم يعد مقبولاً كما كان في السابق، خاصة إذا لم ينعكس ذلك على أداء السهم أو على قدرة الشركة على خلق قيمة طويلة الأجل للمساهمين.
كما أن بيئة السوق تغيّرت بشكل ملحوظ، إذ أصبحت الشركات التي لا ترفع كفاءة استخدام رأس المال أكثر عرضة لضغوط المستثمرين النشطين، بل وحتى لعمليات استحواذ من شركات أخرى تبحث عن أصول أو وحدات أعمال يمكن دمجها أو إعادة هيكلتها.
الشركات تبدأ الإفصاح عن سياسات رأس المال
من الأمثلة اللافتة على هذا التحول، إعلان شركة ماكيتا، المتخصصة في أدوات التصنيع، عن سياسة واضحة لتخصيص النقد للمرة الأولى هذا العام. وحددت الشركة مستوى الاحتفاظ النقدي عند ما يعادل شهرين إلى ثلاثة أشهر من المبيعات، على أن يُستخدم أي فائض بعد ذلك في دعم توزيعات المساهمين والاستثمار.
كما تعهدت الشركة بإعادة 50% أو أكثر من الأرباح إلى المساهمين، في خطوة قال مسؤولوها إنها تعكس تطور مدونة الحوكمة وتنامي مطالب المستثمرين المؤسسيين بإفصاح أوضح حول رأس المال. وقال مسؤول في الشركة إن السوق بات يتوقع تواصلاً أكثر شفافية بشأن كيفية استخدام السيولة.
ويشير هذا التحول إلى تغير أوسع في ثقافة الشركات اليابانية، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول ما إذا كان ينبغي الاحتفاظ بالنقد أو إنفاقه، بل حول أفضل توزيع استراتيجي لرأس المال بين التوسع والتوزيعات والصفقات.
مؤشرات على نشاط أقوى في الاندماج والاستحواذ
يرى مصرفيون ومستثمرون أن الإصلاحات المرتقبة قد تمنح سوق الاندماج والاستحواذ دفعة إضافية. فمع سعي الشركات إلى توظيف فوائضها النقدية، يُتوقع أن ترتفع شهية الصفقات التي تحمل طابعاً استراتيجياً وتضيف قيمة تشغيلية واضحة.
ويقول مديرون في صناديق تحوط وبنوك استثمار إن انفتاح الشركات اليابانية على التخارج أو بيع الأصول أصبح أوضح من السابق، وهو ما يفسر توقعات بنشاط ملحوظ في جانب البائعين. ويعتقد بعضهم أن الإصلاحات ستعزز أيضاً قدرة الشركات على التحرك بسرعة عندما تظهر فرص للتوسع أو لإعادة ترتيب المحافظ الاستثمارية.
هذه الديناميكية لا تتعلق فقط بالسيولة المتراكمة، بل أيضاً بتغير سلوك مجالس الإدارة، إذ باتت المقابلات مع الشركات تكشف عن وعي أكبر بأهمية مناقشة تخصيص رأس المال على مستوى المجلس، وليس فقط داخل الإدارات المالية.
المستثمرون النشطون يرفعون سقف المطالب
تزامناً مع هذه التوقعات، بدأ المستثمرون النشطون في اليابان يستخدمون إصلاحات الحوكمة المقترحة كورقة ضغط إضافية على الشركات. ففي إحدى الحالات، دعت شركة استثمارية مقرها لندن إلى تنفيذ إعادة شراء كبيرة للأسهم من قبل شركة صناعية يابانية بارزة، في إشارة إلى أن الوقت قد حان للتعامل بصرامة أكبر مع الفوائض النقدية.
كما تشهد اجتماعات المساهمين هذا العام عدداً غير مسبوق من المقترحات المقدمة من المستثمرين النشطين، في وقت أصبح فيه المستثمرون المؤسسيون أكثر استعداداً للتصويت ضد إدارات الشركات مقارنة بالسنوات الماضية.
ويعكس ذلك انتقالاً تدريجياً في ميزان القوى داخل السوق اليابانية، حيث باتت الشركات مطالبة بتبرير سياساتها النقدية بوضوح أكبر، وإظهار كيف يمكن للاحتفاظ بالنقد أن يخدم النمو أو يحمي القيمة السوقية بدلاً من مجرد تكديس الموارد.
التحديات لا تزال قائمة رغم الزخم الإصلاحي
رغم الزخم الذي تخلقه التعديلات المرتقبة، فإن البيئة الاقتصادية العالمية لا تزال تضغط على الشركات. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أثرت في سلاسل الإمداد ورفعت تكاليف الطاقة، ما دفع بعض الشركات إلى تأجيل خطط لإعادة شراء الأسهم أو زيادة الاستثمار.
وتحافظ بعض الشركات على نهج أكثر حذراً، مفضلة الإبقاء على سيولة جاهزة للاستجابة السريعة إذا احتاجت إلى ضخ رأس مال في عملياتها. ويعكس هذا الموقف أن موازنة الاحتفاظ بالنقد مع توظيفه ليست قراراً سهلاً، خاصة في بيئة مليئة بالمخاطر التشغيلية والتضخمية.
كما يؤكد محللون أن الحوكمة وحدها قد لا تكون كافية لدفع التغيير الكامل، ما لم تترافق مع حوافز ضريبية أو إصلاحات أعمق تجعل توظيف رأس المال أكثر جاذبية من الاحتفاظ به. ومع ذلك، فإن الرسالة الأساسية للسوق تبدو واضحة: اليابان تتحرك نحو نموذج مؤسسي أقل تحفظاً وأكثر التزاماً بالكفاءة المالية والعائد على رأس المال.