تتجه أسواق الطاقة العالمية إلى يوم حاسم مع انعقاد سلسلة اجتماعات متزامنة لكل من منظمة الدول المصدرة للنفط وتحالف أوبك بلس، في وقت تشهد فيه السوق حالة من الحساسية الشديدة بفعل اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط وتبدلات في أنماط الطلب الآسيوية. وتكتسب هذه الاجتماعات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد أسابيع من تقلبات حادة في أسعار الخام، وسط محاولات من المنتجين لتهدئة السوق وتجنب صدمات جديدة في الإمدادات.
المشهد لا يقتصر على مراجعة مستويات الإنتاج الحالية، بل يمتد إلى إعادة ضبط إيقاع السوق في ضوء المخاطر اللوجستية المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب المؤشرات المتزايدة على ضعف هوامش التكرير في الصين وتأجيل بعض مشاريع التشغيل هناك. وبينما يراقب المستثمرون الرسائل الصادرة عن المنتجين الكبار، تبدو الأولوية واضحة: الحفاظ على قدر من المرونة يسمح بالتدخل السريع إذا تغيرت ظروف العرض أو الطلب.
اجتماعات متعددة ورسائل متزامنة
تعقد اليوم ثلاثة اجتماعات متتالية تبدأ بالاجتماع الإداري لمنظمة أوبك، ثم اجتماع لجنة المراقبة الوزارية المشتركة المعنية بمتابعة الالتزام وخطط التعويض، قبل الوصول إلى الاجتماع الوزاري الأوسع لتحالف أوبك بلس. هذا التسلسل يعكس إدارة دقيقة للملف النفطي، ويُظهر رغبة واضحة في تنسيق المواقف قبل اتخاذ أي خطوة جديدة تخص الإنتاج.
وتنظر الأسواق إلى هذا الاجتماع بوصفه اختباراً لمدى قدرة التحالف على التوفيق بين هدفين متزامنين: دعم الأسعار من جهة، ومنع نقص الإمدادات من جهة أخرى. وفي ظل الوضع الراهن، يبدو أن الرسالة المرجحة هي الحفاظ على سياسة إنتاجية مرنة بدلاً من الدخول في مسار تشديد أو توسع حاد.
زيادة محدودة متوقعة في الإمدادات
تشير تقديرات نقلتها وكالات دولية إلى أن التحالف قد يقر زيادة جديدة في المستهدفات الإنتاجية بنحو 188 ألف برميل يومياً لشهر يوليو المقبل. وإذا تأكدت هذه الخطوة، فستكون منسجمة مع نهج تدريجي يسمح بمراقبة ردود فعل السوق قبل الانتقال إلى أي تعديل أكبر.
هذا النوع من الزيادات المحدودة لا يُفهم بوصفه تحولاً جذرياً في السياسة النفطية، بل كإشارة إلى أن التحالف يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين استعادة بعض الإمدادات والاستجابة للمتغيرات الميدانية. كما أن وجود التزامات تعويض سابقة لدى بعض الأعضاء يجعل أي قرار بالإنتاج مرتبطاً أيضاً بمستوى الامتثال الجماعي.
في الوقت نفسه، تمنح هذه المرونة أوبك بلس مساحة أكبر لإدارة السيناريوهات المختلفة خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا تراجعت حدة الاضطرابات أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ الطلب العالمي.
مضيق هرمز يرفع مستوى الحذر
أحد أبرز العوامل التي تدعم نهج التحوط الحالي هو الاضطراب الذي أصاب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. ورغم أن بعض المؤسسات المالية ترى أن هذه الصدمة قد تكون مؤقتة وليست هيكلاً دائماً جديداً في السوق، فإن أثرها المباشر على سلاسل الإمداد كان كافياً لرفع درجة الحذر لدى المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وتتعامل الأسواق مع المضيق باعتباره نقطة اختناق حيوية، وأي تعطّل فيه ينعكس سريعاً على الأسعار وتكاليف الشحن وخطط التكرير. لذلك فإن أي اجتماع لأوبك بلس في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن ملف أمن الإمدادات، حتى لو كان القرار النهائي مقتصراً على تعديل محدود في المستهدفات.
من جهة أخرى، لا تزال التقديرات الأساسية لدى بعض بيوت الخبرة ترجح أن المعروض العالمي قد يتجاوز الطلب خلال 2026، مع توقع عودة فائض أكبر إلى السوق في الشهور اللاحقة إذا زادت الإمدادات من خارج أوبك واستقرت الظروف الجيوسياسية. وهذا يعني أن التحالف يوازن بين ضغوط آنية وقراءة أطول مدى لمستقبل السوق.
الصين تؤجل مشاريع تكرير تضغط على الطلب
على الجانب الآخر من السوق، تظهر مؤشرات على أن الطلب الصيني على الخام قد لا يكون بالقوة التي كانت متوقعة في وقت سابق. فقد أُرجئ تشغيل مشروعين للتكرير في الصين كان من المقرر دخولهما الخدمة هذا العام، بإجمالي طاقة إنتاجية تصل إلى 500 ألف برميل يومياً. ويُعزى ذلك إلى تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وارتفاع حالة عدم اليقين بشأن توفر الخام.
ومن بين هذه المشاريع، تأخر تشغيل مصفاة في شمال شرق الصين بطاقة 300 ألف برميل يومياً إلى الربع الثالث أو ما بعده، بينما تم تأجيل إعادة تشغيل وحدة تكرير أخرى بطاقة 200 ألف برميل يومياً إلى أجل غير مسمى. هذه التطورات لا تؤثر فقط في الخطط الصناعية المحلية، بل تضغط أيضاً على الطلب العالمي على الخام في لحظة يحتاج فيها المنتجون إلى إشارات أوضح بشأن اتجاه السوق.
ويأتي هذا التراجع في الزخم الصناعي الصيني بالتزامن مع انخفاض هوامش ربح شركات التكرير، وقيود حكومية على أسعار الوقود، إضافة إلى صعود السيارات الكهربائية الذي بدأ يغيّر نمط استهلاك الوقود التقليدي تدريجياً. ووفق بيانات حكومية، هبطت معدلات تشغيل المصافي الصينية في أبريل إلى أدنى مستوى منذ أغسطس 2022، بما يعادل نحو 69 في المائة فقط من الطاقة الإنتاجية المتاحة.
الهند تضيف طاقات جديدة رغم التأخير
في المقابل، تستحوذ الهند على حصة كبيرة من طاقات التكرير الجديدة المنتظر تشغيلها هذا العام في آسيا. وتشير التقديرات إلى أن شركتي هندوستان بتروليوم وإنديان أويل كورب ستضيفان مجتمعتين أكثر من 526 ألف برميل يومياً إلى الطاقة التكريرية.
لكن هذه الخطط لا تخلو من التأخير أيضاً، إذ تعرض أحد مشاريع التوسع في الهند للتأجيل بعد حادث حريق، في حين تمتد جداول إنجاز مشاريع أخرى إلى نهاية العام. ورغم ذلك، تبقى الهند من أكثر الأسواق نشاطاً في إضافة قدرات تكرير جديدة، ما يعزز موقعها كمركز مهم في خريطة الطلب الآسيوية على المدى المتوسط.
هذا التباين بين التوسع في الهند والبطء في الصين يوضح أن سوق التكرير في آسيا يمر بمرحلة إعادة توازن، وليس باتجاه واحد. وفي هذا السياق، تحظى قرارات أوبك بلس بأهمية مضاعفة لأنها تتعامل مع طلب غير متجانس، وتطورات إقليمية متسارعة، وتوقعات سعرية متغيرة.
المعادلة بين الأسعار وأمن الطاقة
الرسالة الأوسع من اجتماعات اليوم تبدو مرتبطة بإدارة المعادلة بين السعر والإمداد. فالمحافظة على مستوى مقبول من الأسعار أمر ضروري للاستثمار في قطاع الطاقة، لكن أي ارتفاع مفرط قد يضعف الطلب ويشجع على توسع الإمدادات من خارج التحالف. وفي الوقت ذاته، فإن الإفراط في ضخ الخام قد يضغط على السوق ويعيدها إلى دوامة الفائض.
لهذا تبدو الخطوة الأكثر ترجيحاً هي تثبيت منطق المرونة: زيادات محدودة، مراقبة مستمرة، واستعداد لتعديل المسار بحسب المستجدات. وإذا نجح التحالف في تمرير هذه الرسالة بوضوح، فسيكون قد عزز صورته كفاعل رئيسي لا يكتفي برد الفعل، بل يسعى إلى ضبط إيقاع السوق في مرحلة شديدة التعقيد.
وفي المحصلة، فإن ما سيصدر عن اجتماعات اليوم لن يحدد فقط اتجاه الإمدادات في الشهر المقبل، بل سيعطي أيضاً لمحة عن كيفية تعامل كبار المنتجين مع مستقبل سوق النفط في ظل اضطراب لوجستي، وتحولات في الطلب، وضغط متصاعد على سلاسل الإمداد العالمية.