تتجه دمشق وباريس إلى فتح مسار اقتصادي جديد يقوم على الاستثمار وإعادة الإعمار وتوسيع التعاون في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية، في خطوة تعكس محاولة الطرفين تحويل التقارب السياسي إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ داخل الاقتصاد السوري.
وجاء هذا التحرك في لحظة إقليمية حساسة أعادت فيها اضطرابات الملاحة وأزمات سلاسل الإمداد طرح أهمية الممرات البرية والبحرية الآمنة، بما يمنح سوريا موقعاً تفاوضياً جديداً بوصفها نقطة عبور محتملة بين المشرق وشرق المتوسط والخليج. وفي هذا السياق، برزت دعوة واضحة إلى النظر إلى الاستثمار باعتباره أداة لإعادة بناء الاقتصاد، لا مجرد تمويل لمشروعات متفرقة.
خريطة استثمارية تتجاوز إعادة البناء التقليدية
الرسالة الأساسية التي حملتها المحادثات بين الجانبين تمثلت في الانتقال من منطق الإغاثة المؤقتة إلى منطق الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد. فدمشق تسعى إلى استقطاب رؤوس أموال وخبرات أجنبية تدعم إعادة تشغيل القطاعات المتضررة، بينما تنظر باريس إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لبناء حضور اقتصادي مؤثر في سوق ناشئة تحتاج إلى تمويل ضخم وإدارة تقنية متقدمة.
وتشمل الأولويات المطروحة تحديث المطارات، وتوسيع قدرات الملاحة الجوية، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب الاستثمار في استكشاف الطاقة، وتطوير المستشفيات الجامعية، وتنشيط الصناعات الغذائية، وتحديث البنية الرقمية والسجل المدني. هذا التوزيع الواسع للقطاعات يعكس رغبة في إعادة بناء المنظومة الاقتصادية السورية ككل، وليس الاكتفاء بمشروعات بنية تحتية منفصلة.
كما تبرز المدن الصناعية السورية كأحد المسارات التي يمكن أن تستفيد من هذه الشراكة، خصوصاً إذا جرى ربطها بخدمات النقل والتخزين والتمويل وسلاسل التوريد. وفي حال توافرت بيئة تنظيمية مستقرة، يمكن لهذه المناطق أن تتحول إلى منصة إنتاج وتصدير تخدم أسواقاً إقليمية أوسع.
اللوجستيات والموانئ في قلب التفاهمات
يحتل قطاع النقل البحري واللوجستيات موقعاً متقدماً في هذا التقارب، مع اتساع الاهتمام بالمرافئ السورية وقدرتها على استعادة دورها التجاري. ويعكس ذلك اهتماماً متزايداً بسلاسل الإمداد البديلة، خاصة مع تصاعد الحاجة إلى ممرات أكثر أماناً واستقراراً في المنطقة.
في هذا الإطار، يجري التعويل على تطوير ميناء اللاذقية وتعزيز طاقته الاستيعابية، بعد أن بدأت بالفعل ترتيبات استثمارية سابقة مع إحدى كبرى الشركات العالمية العاملة في الشحن والموانئ. وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة لأنها تربط بين إعادة تأهيل البنية البحرية وبين تنشيط التبادل التجاري، بما يسمح بخلق عوائد مباشرة للاقتصاد المحلي.
كما أن وجود شركات فرنسية كبرى في هذا الملف يمنح الشراكة بُعداً تنفيذياً لا يقتصر على الإعلانات السياسية. فالموانئ ليست مجرد منشآت تشغيلية، بل نقاط ارتكاز في أي إعادة تموضع اقتصادي، وخصوصاً في بلد يحتاج إلى إعادة وصل اقتصاده بالأسواق الخارجية عبر قنوات أكثر كفاءة.
الطاقة بوصفها مدخلاً للثقة والاستثمار
يتصدر قطاع الطاقة أجندة المباحثات باعتباره الأكثر قدرة على توليد أثر اقتصادي واسع وسريع نسبياً إذا ما توفرت شروط الأمن والتمويل. وفي هذا المجال، تتركز النقاشات على فرص الاستكشاف البحري وتطوير البنية الخاصة بالنفط والغاز، إضافة إلى استخدام الموقع السوري كحلقة عبور محتملة في ترتيبات الطاقة الإقليمية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل البحث عن بدائل لطرق الشحن والتصدير التي تأثرت بالتوترات الجيوسياسية. فالموقع السوري، إذا أعيد تأهيله من الناحية الفنية والمؤسسية، قد يكتسب قيمة إضافية في الربط بين العراق وشرق المتوسط، سواء عبر الشحن البري أو خطوط الأنابيب أو الخدمات اللوجستية المساندة.
لكن هذا المسار لا يزال مرتبطاً بمعادلة معقدة تجمع بين الأمن والاستقرار والإطار القانوني الواضح. لذلك تبدو الرسالة الفرنسية أقرب إلى بناء الثقة التدريجي، من خلال فرق العمل الفنية والدراسات الأولية والمذكرات التمهيدية، قبل الانتقال إلى عقود أوسع نطاقاً.
الإطار المالي والقانوني شرط لجذب الشركات الكبرى
لا يمكن فصل أي خطة استثمارية حقيقية عن إصلاح البيئة المالية والمؤسسية. فالشركات الدولية لا تدخل عادة أسواقاً خارجة من نزاعات طويلة ما لم تتوافر آليات واضحة لحماية العقود، وتسوية النزاعات، وضمان تحويل الأموال، وتحديد دور الدولة في الشراكة مع القطاع الخاص.
لهذا السبب، تبدو الإشارة إلى بناء بيئة استثمار حديثة قائمة على القوانين والمؤسسات جزءاً أساسياً من الرسالة الاقتصادية السورية الجديدة. فنجاح أي انفتاح يتطلب وضوحاً في التشريعات، وتبسيطاً للإجراءات، وتنسيقاً بين الجهات الحكومية، فضلاً عن توفير قنوات تمويل قابلة للتنفيذ.
وتزداد أهمية هذا العامل في القطاعات كثيفة رأس المال مثل الطاقة والموانئ والطيران، حيث لا تكفي الرغبة السياسية وحدها لإقناع الشركات بالالتزام بمشروعات طويلة الأجل. كما أن المستثمرين يراقبون بدقة قدرة الحكومة على فرض الاستقرار الإجرائي، وليس الأمن فقط، في بيئة ما بعد الحرب.
الدبلوماسية الاقتصادية تتقدم على الخطاب السياسي
اللافت في هذا المشهد أن لغة المصالح الاقتصادية باتت تتقدم على الشعارات السياسية. فالمحادثات تدور حول الموانئ والمطارات والكهرباء والغاز والبنية الرقمية، أي حول القطاعات التي تشكل فعلاً قاعدة أي تعافٍ اقتصادي. وهذه الصياغة تمنح العلاقة الثنائية طابعاً براغماتياً، يبتعد عن الرمزية ويقترب من الحسابات العملية.
كما أن حضور ممثلين عن شركات كبرى في مجالات الملاحة والطاقة والصناعة يشير إلى أن باريس تريد اختبار فرصها في سوق تتطلب شراكات متخصصة، لا مجرد مواقف دبلوماسية. ومن شأن هذا النهج أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع مع مؤسسات تمويلية وشركاء إقليميين، خصوصاً إذا ارتبطت الخطوات الأولى بنتائج قابلة للقياس.
وفي المقابل، تراهن دمشق على أن الانفتاح الاقتصادي سيخلق مخرجاً تدريجياً من آثار الحرب عبر جذب التكنولوجيا والخبرة ورأس المال. فالتعافي في مثل هذه الحالات لا يأتي دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من المشاريع التي تعيد الثقة إلى السوق وتمنح القطاع الخاص المحلي مساحة للعمل.
ما الذي تعنيه الشراكة للاقتصاد السوري؟
إذا تحولت هذه التفاهمات إلى مشاريع فعلية، فقد تترك أثراً مباشراً على التشغيل، والإيرادات العامة، وحركة التجارة، وتوافر الطاقة، وتحسين الخدمات الأساسية. والأهم من ذلك أنها قد تساهم في إعادة ربط الاقتصاد السوري بمحيطه الإقليمي والدولي بعد سنوات من العزلة والانقطاع.
غير أن الطريق ما زال طويلاً. فالإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى استقرار أمني، وإلى ترتيبات قانونية ومصرفية، وإلى قدرة على إدارة المشاريع الكبرى من دون تعثر. كما أن نجاح أي شراكة خارجية سيعتمد على مستوى التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.
في المحصلة، تبدو دمشق وباريس أمام اختبار عملي لإثبات أن الاستثمار يمكن أن يكون بوابة حقيقية لإعادة الإعمار، وأن الاقتصاد قد يسبق السياسة في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وإذا نجح هذا المسار، فقد يتحول إلى نموذج أوسع لشراكات عربية وأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب.