11-Jul-2026 5 دقائق قراءة

السعودية وكازاخستان تعززان التعاون التعديني لبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة

تسعى السعودية وكازاخستان إلى توسيع التعاون في قطاع التعدين عبر الاستثمار المشترك في الفوسفات والألمنيوم والعناصر الأرضية النادرة، ضمن توجه يركز على تنويع الاقتصاد وتعزيز سلاسل الإمداد الصناعية.

تتحرك السعودية وكازاخستان نحو بناء شراكة أوسع في قطاع التعدين، في إطار مساعٍ مشتركة لتحويل المعادن إلى رافعة اقتصادية جديدة تدعم التنويع وتزيد من مرونة سلاسل الإمداد. ويأتي هذا التوجه مع تنامي الاهتمام العالمي بالمعادن الحيوية، وارتفاع الحاجة إلى مصادر مستقرة للمواد الأولية المرتبطة بالصناعة والطاقة والتقنيات المتقدمة.

وخلال الحوار الاستراتيجي الذي انعقد على هامش مؤتمر آستانة الدولي للتعدين والمعادن، عرض نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد المديفر فرص التعاون بين البلدين في مجالات متعددة، أبرزها الفوسفات والألمنيوم والعناصر الأرضية النادرة. وتقوم الفكرة الأساسية على استثمار نقاط القوة لدى كل طرف، بما يسمح بتطوير شراكات تمتد من الاستخراج إلى التصنيع والخدمات اللوجستية.

ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة لدى الجانبين بأن التعدين لم يعد قطاعاً استخراجياً تقليدياً فحسب، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية النمو الصناعي طويلة الأمد. ومع توسع الطلب على المعادن المرتبطة بالتحول الصناعي والتقني، تزداد أهمية الدول القادرة على توفير بيئة تنظيمية واستثمارية جاذبة، إلى جانب امتلاك موارد طبيعية قابلة للتطوير.

التعدين في صلب التنويع الاقتصادي

يربط الطرفان بين تطوير قطاع التعدين وبين هدف أوسع يتمثل في تقليل الاعتماد على مصادر الدخل التقليدية، وخصوصاً النفط والبتروكيماويات. وفي الحالة السعودية، يدخل التعدين ضمن القطاعات التي يُنظر إليها باعتبارها قادرة على رفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، فيما ترى كازاخستان في هذا المجال فرصة لتوسيع قاعدتها الإنتاجية وجذب استثمارات نوعية.

وتقوم الرؤية المشتركة على أن تنويع الاقتصاد لا يتحقق فقط عبر افتتاح مناجم جديدة، بل عبر بناء منظومة قيمة متكاملة تشمل الاستكشاف والمعالجة والتصنيع والتصدير. هذا النموذج يسمح بخلق وظائف، ونقل المعرفة، وتعزيز المحتوى الصناعي المحلي، وتحويل الثروات المعدنية إلى نشاط اقتصادي أكثر استدامة.

كما يبرز في هذا السياق عامل المرونة، إذ تسعى الدولتان إلى تقليل حساسية القطاعات الصناعية لتقلبات الإمداد والأسعار عبر تنويع المصادر وبناء علاقات مباشرة بين المنتجين والمستثمرين والمشغلين الصناعيين. ومن هنا تكتسب الشراكة السعودية-الكازاخستانية أهمية إضافية، لأنها لا تقتصر على تبادل الفرص التجارية، بل تمتد إلى تصميم سلاسل توريد أكثر استقراراً.

إصلاحات تنظيمية تعزز جاذبية الاستثمار

أشار المديفر إلى أن قطاع التعدين في البلدين شهد خلال الأعوام الأخيرة سلسلة إصلاحات مهمة، شملت تحديث الأطر التنظيمية، وتوسيع برامج المسح الجيولوجي، وتسريع أعمال الاستكشاف، وتعزيز التعاون مع المستثمرين الدوليين. وهذه الخطوات كانت حاسمة في رفع مستوى الثقة في السوق التعديني، لأن المستثمرين ينظرون عادة إلى وضوح القوانين وسرعة الإجراءات بوصفهما شرطين رئيسيين لتخصيص رؤوس الأموال.

وفي السعودية، أسهمت هذه التحولات في تحسين موقع القطاع على الخريطة العالمية للاستثمار. فقد جاءت المملكة في المرتبة العاشرة في مؤشر جاذبية الاستثمار لعام 2025 الصادر عن معهد فريزر الكندي، وهو ما يعكس تقدماً ملحوظاً في البيئة التنظيمية والفرص المتاحة. وتُعد هذه النتيجة مؤشراً مهماً على أن الإصلاحات لم تعد مجرد إعلان عن نوايا، بل بدأت تنعكس على تقييم المؤسسات الدولية.

أما في كازاخستان، فيبدو أن التوجه نحو تحديث القطاع يهدف إلى تعظيم الاستفادة من القاعدة المعدنية الواسعة التي تمتلكها البلاد، مع فتح المجال أمام شراكات دولية قادرة على نقل الخبرة والتقنية. ويعني ذلك أن التعاون بين الرياض وآستانة قد يجد أرضية مشتركة في السياسات الاستثمارية كما في الموارد الطبيعية نفسها.

مجالات التعاون الأكثر ترجيحاً

تتركز فرص العمل المشترك في عدد من المعادن والقطاعات المرتبطة بها، وفي مقدمتها الفوسفات والألمنيوم والصلب والتيتانيوم ومواد البناء والعناصر الأرضية النادرة. وتبدو هذه المعادن ذات أهمية خاصة، لأنها تدخل في صناعات واسعة النطاق تشمل الطاقة والبناء والنقل والتقنيات الحديثة.

كما يبرز مجال معالجة المعادن باعتباره أحد المسارات التي قد تحقق قيمة مضافة أعلى من التصدير الخام. فالمعالجة المحلية أو الإقليمية ترفع مستوى العائد الاقتصادي، وتخلق طلباً على الخدمات الصناعية والهندسية، وتساعد في تطوير سلاسل توريد قادرة على خدمة أسواق أوسع. ولهذا السبب، لا يقتصر الحديث على المناجم نفسها، بل يشمل أيضاً الموانئ والنقل والتخزين والمعدات والخدمات الفنية.

ويؤكد هذا التوجه أن نجاح التعاون التعديني لا يعتمد على الثروة الجيولوجية وحدها، بل على توفر القدرة التشغيلية والتمويل والتقنيات المناسبة. ومن هنا شدد المديفر على أهمية الشراكات الدولية وتمويلات القطاع الخاص، باعتبارها أدوات تسهم في تسريع التطوير الصناعي ورفع مستوى الكفاءة في إدارة المشاريع.

سلاسل إمداد أكثر مرونة واستدامة

أحد أبرز محاور التعاون المطروح بين البلدين يتمثل في بناء سلاسل إمداد معدنية مرنة. فالمقصود هنا ليس فقط استخراج المعدن ثم شحنه إلى الأسواق، بل تأسيس منظومة مترابطة تبدأ من الاستكشاف وتنتهي عند التصدير، مروراً بالمعالجة والتمويل والخدمات اللوجستية والتصنيع. هذه البنية المتكاملة تمنح القطاع قدرة أكبر على مواجهة الاضطرابات العالمية.

وتكتسب المرونة أهمية خاصة في ظل التنافس الدولي على المعادن الحرجة التي أصبحت عنصراً أساسياً في الصناعات المتقدمة. ومع تزايد حاجة الأسواق إلى الإمدادات المستقرة، تسعى الدول المنتجة إلى تحسين موقعها التفاوضي عبر تطوير القدرات المحلية بدل الاكتفاء بدور المورد الخام.

كما أن الاستدامة باتت جزءاً لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية، سواء من ناحية كفاءة استخدام الموارد أو من ناحية تطوير مشاريع تراعي المعايير البيئية والتشغيلية الحديثة. وهذا ما يجعل الشراكات الدولية في التعدين أكثر تعقيداً من مجرد اتفاقات تجارية قصيرة الأجل، لأنها ترتبط بإدارة طويلة المدى للموارد والبنية الصناعية.

المنصات الدولية ودورها في دفع التعاون

أهمية الحوار بين السعودية وكازاخستان لا تنفصل عن الدور الذي تؤديه المنصات الدولية المتخصصة في التعدين. فمؤتمر التعدين الدولي الذي تستضيفه السعودية سنوياً أصبح محطة رئيسية تجمع الحكومات وقادة الشركات والمستثمرين والمنظمات الدولية، وتوفر مساحة لبحث قضايا المعادن الحرجة والاستدامة وسلاسل الإمداد.

هذه المنصات تمنح المشاريع الثنائية بعداً عملياً، لأنها لا تكتفي بتبادل التصريحات، بل تتيح صياغة مبادرات وشراكات قابلة للتنفيذ. كما أن الاجتماع الوزاري المصاحب لهذه الفعاليات يعزز الحوار بين صناع السياسات، وهو أمر مهم في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على التنظيم طويل الأمد والرؤية المشتركة.

ومن المقرر أن تُعقد النسخة السادسة من مؤتمر التعدين الدولي في الرياض خلال يناير 2027، ما يمنح الأطراف المعنية فرصة إضافية لتوسيع النقاش حول فرص الاستثمار والتصنيع وتطوير سلاسل القيمة. وفي ضوء ذلك، يبدو التعاون السعودي-الكازاخستاني جزءاً من مسار أوسع يعيد تعريف دور التعدين في الاقتصاد المعاصر، من قطاع داعم إلى محرك رئيسي للنمو والتنوع الصناعي.