أحدثت العقوبات الأمريكية المشددة على قطاع النفط الروسي موجة ارتباك واسعة في أسواق الطاقة، بعدما استهدفت ناقلات تنقل الخام الروسي بهدف تقليص عائدات موسكو النفطية. هذا التحرك لم يقتصر أثره على روسيا وحدها، بل امتد سريعاً إلى أكبر المشترين في آسيا، وفي مقدمتهم الصين والهند، اللتان اعتمدتا خلال السنوات الأخيرة على الخام الروسي منخفض السعر لتعويض جزء من احتياجاتهما.
النتيجة المباشرة كانت تغيراً واضحاً في مسارات التجارة العالمية للنفط. فمع تباطؤ الصفقات الخاصة بشحنات مارس، واحتجاز ملايين البراميل على متن سفن في البحر، بدأ المشترون والتجار في البحث عن بدائل من الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا التحول السريع رفع المنافسة على الإمدادات المتاحة، وأدى إلى زيادة أسعار بعض الخامات وتكاليف الشحن في وقت واحد.
تحول في موازين السوق
كانت الصين والهند من أبرز المستفيدين من الخصومات الكبيرة على النفط الروسي منذ بدء العقوبات الغربية السابقة. لكن القيود الجديدة قلصت سهولة الوصول إلى هذا الخام، ليس فقط بسبب صعوبة التوريد، بل أيضاً بسبب تراجع عدد السفن والشركات القادرة على نقل الشحنات دون الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية.
هذا التغير أعاد رسم ميزان العرض والطلب. فعلى مدى أسابيع، أصبحت بعض الخامات الثقيلة والعالية الكبريت من منطقة الخليج أكثر كلفة من خامات أخف مثل برنت، رغم أن الأخيرة أسهل عادة في التكرير. مثل هذا الانقلاب في التسعير يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له السوق مع انحسار الإمدادات الروسية المخفضة.
كما فتحت هذه التطورات المجال أمام منتجين آخرين لتعزيز حضورهم في آسيا. خامات من البرازيل وكازاخستان ودول أفريقية وجدت فرصة أكبر للوصول إلى الصين والهند، بعدما أصبحت المصافي في البلدين أكثر استعداداً لدفع علاوات أعلى مقابل شحنات لا تحمل مخاطر قانونية أو لوجستية كبيرة.
ارتفاع أسعار البدائل وتكاليف النقل
من أبرز المؤشرات على هذا التحول ارتفاع العلاوات السعرية على الخام البرازيلي الموجه إلى الصين، حيث زادت مقارنة بالشهر السابق وظلت عند مستويات مرتفعة لشحنات الوصول في مايو. كذلك عادت الصين لاستيراد شحنة من خام كازاخستان من مزيج CPC لأول مرة منذ يونيو 2024، في إشارة إلى اتساع البحث عن بدائل خارج روسيا.
وفي سوق الشرق الأوسط، ارتفعت علاوات خامات عمان ودبي ومربان بأكثر من الضعف في يناير مقارنة بديسمبر، وبقيت فوق مستوى 3 دولارات للبرميل فوق خام دبي، رغم أن بعض المصافي كانت تدخل بالفعل فترة صيانة موسمية تحد عادة من الطلب. كما رفعت أرامكو السعودية أسعار الخام المتجه إلى آسيا إلى أعلى مستوى منذ ديسمبر 2023، ما أضاف أعباء جديدة على المصافي الآسيوية.
الضغط لم يأت من أسعار الخام فقط. فمع تعطل عدد من السفن الخاضعة للعقوبات، اندفع التجار إلى استبدالها بناقلات أخرى، الأمر الذي أدى إلى قفزة حادة في تكاليف الشحن. وبالنسبة للشحنات الكبيرة، يعني ذلك ملايين الدولارات الإضافية لكل رحلة، ما يقلص أي ميزة سعرية كان يوفرها الخام الروسي.
الهند بين الحاجة والمخاطر
تبدو الهند من أكثر الأطراف تأثراً بهذا الوضع. ففي أواخر العام الماضي، عززت البلاد تحولها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على إمدادات الشرق الأوسط، واتجهت بقوة نحو الخام الروسي. وكان من أبرز الخطوات في هذا الاتجاه اتفاق توريد طويل الأجل بين ريلاينس إندستريز وروسنفت الروسية بقيمة تقارب 13 مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات.
لكن بعد العقوبات الجديدة، باتت المصافي الهندية أكثر حذراً. فقد أوضحت السلطات النفطية أن المشترين يفضلون استيراد النفط الروسي فقط إذا كانت الشركات والسفن غير مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية. عملياً، أدى ذلك إلى تقليص عدد الشحنات والسفن المتاحة، ورفع تكلفة الوصول إلى النفط الروسي نفسه.
وتشير التقديرات إلى أن الخصم على خام الأورال الروسي مقارنة بخام برنت المؤرخ انخفض إلى ما بين 2.50 و2.90 دولار للبرميل لشحنات مارس، بعد أن كان بين 3 و3.50 دولار قبل عقوبات يناير. كما تقلص الفارق السعري بين الخام الروسي وخامات الشرق الأوسط إلى نحو 3 دولارات للبرميل فقط، بعدما كان يتراوح بين 6 و7 دولارات. هذا التراجع قلل الحافز الاقتصادي لتحمل أي مخاطر مرتبطة بالعقوبات الثانوية.
وبحسب المعطيات المتاحة، رفض مشترون هنود عروضاً لتسوية مدفوعات النفط الروسي بعملات مختلفة، بينها الروبية الهندية، عندما تكون الشحنات منقولة على ناقلات خاضعة للعقوبات. ويعكس ذلك أن المشكلة لم تعد في العملة فقط، بل في المخاطر المرتبطة بالنقل والتأمين والتعامل مع الأطراف المدرجة على القوائم الأمريكية.
الصين تواجه ضغوطاً مزدوجة
في الصين، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فبالإضافة إلى تعطل جزء من الإمدادات الروسية، تواجه السوق أيضاً ضغوطاً على الواردات الإيرانية مع تشديد أمريكي موازٍ. هذا يعني أن الخام منخفض السعر من مصدرين رئيسيين أصبح أقل توافراً في وقت واحد، ما يزيد حساسية السوق الصينية لأي اضطراب إضافي.
وتشير تقديرات إلى أن حجم النفط الروسي المخزن على متن سفن ارتفع بنحو 17 مليون برميل منذ 10 يناير، مع توقعات بوصوله إلى 50 مليون برميل خلال النصف الأول من 2025. كما لوحظ ازدياد عدد الناقلات التي تحمل الخام الروسي وتنتظر قرب موانئ في شاندونغ وجنوب الصين، وهي مناطق لم تكن دائماً نقاط دخول رئيسية لمثل هذه الشحنات.
تُعد شاندونغ مركزاً مهماً للمصافي المستقلة في الصين، وهي من أكبر المشترين للنفط الروسي والإيراني والفنزويلي المخفض. لكن مع تشديد القيود في بعض الموانئ الرئيسية، وتزايد تحفظ شركات التأمين والأطراف الوسيطة، قد تتراجع الواردات الروسية إلى الصين بما بين 700 ألف و800 ألف برميل يومياً بدءاً من مارس بعد انتهاء بعض الإعفاءات، وهو ما يعادل انخفاضاً كبيراً مقارنة بمستويات يناير.
وفي الوقت نفسه، أدى ضيق المعروض من الخام منخفض السعر، إلى جانب ضعف الطلب المحلي، إلى دفع بعض المصافي المستقلة إلى التوقف المؤقت للصيانة بدلاً من تشغيل الخام غير الخاضع للعقوبات بخسائر. ووفقاً لتقديرات متداولة في السوق، قد تخسر بعض هذه المصافي نحو 500 يوان لكل طن عند معالجة خامات بديلة معروضة فوق برنت بمقدار 7 إلى 8 دولارات للبرميل عند التسليم إلى الصين.
أسواق أكثر تقلباً وفرص لمنتجين آخرين
الاضطراب الحالي لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل يشير أيضاً إلى إعادة توزيع للحصص السوقية. فكلما تقلصت قدرة روسيا وإيران على توفير خام منخفض السعر إلى آسيا، زادت الفرص أمام منتجين من الخليج وأفريقيا والبرازيل وكازاخستان لتوسيع وجودهم في السوق. وهذا قد يمنح بعض المصدرين مكاسب قصيرة الأجل من حيث الأسعار والحصة السوقية.
لكن في المقابل، يصبح السوق أقل استقراراً. فالتدخلات الحكومية والعقوبات وتغيرات اللوائح في الموانئ وشركات التأمين كلها عوامل تزيد صعوبة التنبؤ بحركة التجارة والأسعار. وبالنسبة للمشترين الكبار، لم يعد القرار يعتمد فقط على سعر البرميل، بل على مزيج معقد من عوامل الامتثال والمخاطر اللوجستية وتوافر السفن ومرونة المصافي.
كما أن استهداف الإمدادات الإيرانية بالتوازي مع التضييق على النفط الروسي يرفع احتمال زيادة أسعار خام برنت إلى مستويات أعلى إذا تقلص المعروض العالمي بدرجة أكبر. وفي هذه البيئة، تصبح أي صدمة في الشحن أو الإنتاج أو الطلب سبباً في تحركات سعرية سريعة.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد العالمي
النفط ليس مجرد سلعة أولية، بل عنصر أساسي في تكلفة الصناعة والنقل والتجارة. لذلك فإن اضطراب تدفقات الخام بين روسيا وآسيا ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية، وعلى هوامش أرباح المصافي، وعلى تكلفة الوقود في أسواق متعددة. وكلما ارتفعت كلفة الشحن والتمويل والتأمين، زادت الضغوط على الشركات والدول المستوردة.
وفي المدى القريب، يبدو أن الصين والهند ستواصلان تنويع مصادرهما لتفادي المخاطر، حتى لو كان ذلك على حساب الحصول على خام أكثر كلفة. أما على المدى الأبعد، فقد تؤدي هذه التطورات إلى عقود توريد جديدة، واستثمارات أكبر في المرونة اللوجستية، وإعادة تقييم لاستراتيجيات الشراء في أكبر أسواق الاستهلاك الآسيوية.
الخلاصة أن العقوبات الأمريكية الأخيرة لم تغير فقط مسار شحنات النفط الروسي، بل دفعت السوق العالمية إلى مرحلة جديدة من التقلب وإعادة التموضع. وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، ستظل أسواق الطاقة عرضة لتحولات سريعة تؤثر مباشرة في التجارة والأسعار وحسابات المستوردين والمصدرين حول العالم.