13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تحويلات المصريين بالخارج ترتفع 31.2% إلى 43.1 مليار دولار وتدعم الاحتياطي النقدي

سجلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج نمواً قوياً خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية، لتصبح أحد أبرز مصادر الدعم للدولار في مصر، مع استفادة القنوات الرسمية من تراجع السوق الموازية وتحسن الثقة في الاقتصاد المحلي.

واصلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج تسجيل معدلات نمو قوية، لتؤكد مكانتها باعتبارها أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز الاحتياطي النقدي وتوفير السيولة الدولارية اللازمة لتلبية احتياجات الاستيراد ودعم استقرار السوق.

وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن التحويلات ارتفعت خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026 بنسبة 31.2 في المائة، لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 32.8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق. وعلى المستوى الشهري، سجلت التحويلات في مايو الماضي نحو 3.9 مليار دولار، بزيادة 13.5 في المائة عن مايو 2025، عندما بلغت 3.4 مليار دولار تقريباً.

وتأتي هذه القفزة في وقت تعتمد فيه مصر على عدة روافد رئيسية للنقد الأجنبي، أبرزها تحويلات المغتربين وعائدات السياحة وإيرادات قناة السويس، مع تزايد أهمية التحويلات خلال السنوات الأخيرة مع توسع قاعدة العاملين المصريين في الخارج وارتفاع اعتماد الأسر المحلية عليها.

تراجع السوق الموازية عزز القنوات الرسمية

يرى خبراء اقتصاد أن جزءاً كبيراً من الزيادة الأخيرة يعود إلى انحسار السوق الموازية للدولار، الأمر الذي شجع شريحة أوسع من المصريين بالخارج على توجيه مدخراتهم عبر البنوك وشركات الصرافة الرسمية بدلاً من القنوات غير النظامية. كما ساهمت الفجوة السابقة في سعر الصرف في تسرب جانب من التحويلات إلى السوق الموازية، قبل أن تتغير المعادلة مع تحسن بيئة التسعير في القنوات الرسمية.

ويشير هذا التحول إلى أن سلوك المرسل والمستقبل بات أكثر ارتباطاً بمدى الثقة في النظام المالي والقدرة على الحصول على سعر عادل وسريع، وهو ما منح القنوات المصرفية دفعة واضحة خلال الفترة الأخيرة.

أثر مباشر على الاحتياطي وسوق الصرف

تزامن نمو التحويلات مع تحسن واضح في وضع الاحتياطيات الأجنبية لدى مصر. فقد أعلن البنك المركزي، الأربعاء، ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ53.134 مليار دولار في مايو السابق له، بزيادة تقارب 1.9 مليار دولار أو 3.6 في المائة خلال شهر واحد.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه يعزز قدرة الدولة على إدارة الالتزامات الخارجية وتدبير احتياجات الاستيراد، كما يرفع من مستوى المرونة في مواجهة تقلبات أسواق المال العالمية. وفي العادة، تمنح التحويلات المنتظمة البنك المركزي قدرة أكبر على دعم السوق وتخفيف الضغوط على سعر الصرف.

وتعتبر هذه التدفقات من أكثر المصادر استقراراً للنقد الأجنبي مقارنة ببعض المصادر الأخرى التي تتأثر بعوامل موسمية أو جيوسياسية، وهو ما يجعلها ركيزة مهمة في إدارة ميزان المدفوعات.

خبراء: الانتماء وتحسن الدخل في الخارج من العوامل المؤثرة

يربط محللون اقتصاديون الارتفاع المستمر في التحويلات بعدة عوامل متداخلة، من بينها زيادة أعداد المصريين العاملين بالخارج خلال السنوات الماضية، وارتفاع رواتبهم في بعض الأسواق، إلى جانب تزايد احتياجات أسرهم داخل مصر في ظل موجات التضخم وارتفاع الأسعار.

كما يضيف بعض الخبراء أن تحسن مناخ الاستثمار في مصر، وبدء ظهور مؤشرات أكثر إيجابية على مستوى الاقتصاد الكلي، أسهما في تعزيز شعور المغتربين بأن أموالهم أصبحت أكثر أماناً داخل النظام المصرفي الرسمي، وأن تحويلاتهم باتت تخدم أسرهم كما تخدم الاقتصاد الوطني.

ويعتقد مراقبون أن العامل النفسي لا يقل أهمية عن العامل المالي؛ إذ يشعر كثير من المغتربين بأن التحويل عبر البنوك يمنحهم وضوحاً أكبر في الإجراءات، وسهولة في تتبع الأموال، وأماناً أعلى مقارنة بالمسارات غير الرسمية.

14 مليون مصري في الخارج ومصدر تمويل حاسم

تقدّر وزارة الخارجية عدد المصريين في الخارج بنحو 14 مليون شخص، يتركز معظمهم في الدول العربية، وهو ما يفسر الحجم الكبير للتحويلات السنوية التي تتدفق إلى الداخل. ومع هذا العدد الواسع، تمثل الجاليات المصرية في الخارج كتلة اقتصادية ذات أثر ملموس على الاستهلاك المحلي والاستثمار والمدخرات العائلية.

وفي سياق الاقتصاد المصري، لا يُنظر إلى التحويلات باعتبارها مجرد دخل للأسر فحسب، بل باعتبارها مصدراً أساسياً للعملة الأجنبية يساند الاستقرار المالي ويغذي الطلب على السلع المستوردة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج. كما تساعد هذه التدفقات في دعم السيولة الدولارية اللازمة لتشغيل قطاعات صناعية وخدمية متعددة.

مبادرات حكومية لربط المغتربين بالسوق المصرية

تعمل الدولة على توسيع ارتباط المصريين بالخارج بالاقتصاد الوطني عبر مبادرات تستهدف الاستثمار والتملك العقاري والخدمات الحكومية. ومن بين هذه الجهود مبادرة «بيتك في مصر»، التي تسعى إلى إتاحة فرص تملك وحدات سكنية للمغتربين، بما يعزز صلتهم بالوطن ويفتح أمامهم باباً استثمارياً مستقراً.

وتأتي هذه المبادرات ضمن توجه أوسع لدى الحكومة والخارجية المصرية لتحويل العلاقة مع الجاليات في الخارج من مجرد علاقة تحويلات مالية إلى علاقة اقتصادية طويلة الأجل، تشمل تملك الأصول والمشاركة في المشروعات القومية والاستفادة من الفرص الاستثمارية المطروحة داخل السوق المصرية.

كما تراهن الجهات الرسمية على أن كل خطوة تسهّل اندماج المغترب في المنظومة الاقتصادية المحلية، سواء عبر السكن أو الاستثمار أو الخدمات الرقمية، قد تنعكس لاحقاً في زيادة التحويلات وتشجيع الادخار والاستثمار داخل البلاد.

مكاسب للاقتصاد الكلي في المرحلة المقبلة

إذا استمرت التحويلات عند مستوياتها الحالية أو واصلت الصعود، فإن ذلك قد يمنح الاقتصاد المصري هامشاً أكبر للتحرك في أكثر من اتجاه، بدءاً من تعزيز الاحتياطي النقدي وصولاً إلى دعم الجنيه وتخفيف الضغوط التضخمية. كما تتيح هذه التدفقات للحكومة والبنك المركزي قدراً أكبر من المرونة في إدارة الالتزامات الخارجية وتمويل الواردات الأساسية.

وفي الوقت نفسه، يبقى الحفاظ على هذا المسار الصاعد مرتبطاً بعوامل عدة، من بينها استقرار أسعار الصرف، وتحسن الخدمات المصرفية، وتطوير الأدوات الرقمية للتحويل، إلى جانب استمرار الثقة في البيئة الاقتصادية المحلية. لذلك، تبدو التحويلات اليوم أكثر من مجرد أرقام في ميزان المدفوعات؛ إنها مؤشر على علاقة مالية متجددة بين المصريين في الخارج والاقتصاد في الداخل.