13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

بنك السودان المركزي يعلن سحب 6 فئات نقدية من التداول ويحدد مهلة للاستبدال

أعلن بنك السودان المركزي سحب ست فئات نقدية من التداول، مع منح المواطنين ثلاثة أشهر لاستبدالها عبر الإيداع في الحسابات المصرفية بالقيمة الاسمية، على أن تفقد صلاحيتها القانونية بعد انتهاء المهلة.

أعلن بنك السودان المركزي قراراً يقضي بسحب ست فئات من العملة الورقية المتداولة في البلاد، في خطوة تهدف إلى تنظيم التداول النقدي وإتاحة فرصة زمنية للمواطنين والشركات لتبديل هذه الفئات عبر القنوات المصرفية الرسمية.

ويشمل القرار الفئات التالية: 1 جنيه، و2 جنيه، و5 جنيهات، و10 جنيهات، و20 جنيهاً، و50 جنيهاً. وبموجب القرار، ستبقى هذه الأوراق صالحة للتعامل خلال فترة محددة، ثم تفقد لاحقاً صفتها القانونية بعد انتهاء المهلة المقررة.

مهلة الاستبدال وآلية التنفيذ

حدد البنك المركزي فترة الاستبدال بثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ نشر القرار في الجريدة الرسمية، وتنتهي في 30 يوليو 2026. وأوضح أن القرار نُشر رسمياً في 30 أبريل الماضي، ما يعني أن العدّ التنازلي للمهلة بدأ وفق الإطار الزمني المحدد.

وبحسب البيان، فإن الاستبدال لن يكون متاحاً على هيئة صرف نقدي مباشر، بل سيتم حصراً عبر إيداع الأوراق المسحوبة في الحسابات المصرفية لدى فروع المصارف التجارية، على أن تُحتسب بقيمتها الاسمية الكاملة. ويعني ذلك أن حامل هذه الفئات سيحتاج إلى التعامل مع النظام المصرفي لإتمام العملية.

وتحمل هذه الآلية دلالة مهمة في سياق إدارة السيولة والرقابة على حركة النقد، إذ تتيح للبنك المركزي تتبع جزء من التداول الورقي وتحويله إلى أرصدة مصرفية، بدل استمرار تداوله خارج القنوات الرسمية.

تأثير القرار على المعاملات اليومية

أكد البنك أن الفئات المشمولة بالقرار ستظل مقبولة في المعاملات اليومية إلى حين انتهاء المهلة، ما يمنح السوق والأفراد فترة انتقالية لتسوية أوضاعهم النقدية. لكن بعد انقضاء المدة، لن تعود هذه الأوراق مقبولة في الوفاء بالالتزامات أو إبرام المعاملات المالية والتجارية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للتجار وأصحاب الأنشطة الصغيرة والأسر التي تحتفظ بكميات من النقد الورقي، إذ سيحتاجون إلى مراجعة ما لديهم من أوراق نقدية والتأكد من إيداعها قبل انتهاء الأجل المحدد. كما أن المؤسسات العاملة بالنقد اليومي قد تواجه ضغطاً تنظيمياً إذا تأخرت في التبديل.

ويرى مختصون أن مثل هذه القرارات عادة ما تكون مرتبطة بالحاجة إلى تحديث هيكل العملة أو تقليص آثار تداول أوراق لم تعد ملائمة للسيولة النقدية المتداولة، إضافة إلى دعم الانضباط المالي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ضمانات للمناطق غير المستقرة

وشدد البنك المركزي على التزامه بحماية حقوق المواطنين في الولايات التي تعاني أوضاعاً أمنية أو مصرفية غير مستقرة. وأشار إلى أن آليات الاسترداد ستُطبق وفق ضوابط وإجراءات معتمدة تضمن تمكين المواطنين من الحصول على القيمة الاسمية للفئات المسحوبة.

ويعكس هذا التعهد إدراكاً للصعوبات الميدانية التي قد تواجه سكان بعض المناطق في الوصول إلى الفروع المصرفية أو استخدام الخدمات المالية التقليدية، خصوصاً في ظل التوترات الأمنية وتراجع البنية المصرفية في أجزاء من البلاد.

كما أن الاعتماد على الإيداع المصرفي فقط في الاستبدال قد يفرض تحديات عملية على من لا يملكون حسابات مصرفية، أو على من يعيشون في مناطق تقل فيها القدرة على الحركة والخدمات، وهو ما يجعل تنفيذ القرار مرتبطاً بمدى جاهزية القطاع المصرفي وقدرته على استيعاب الطلب.

خلفية اقتصادية أشد تعقيداً

يأتي هذا القرار في وقت يواجه فيه السودان ضغوطاً اقتصادية حادة نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وقد أدى الصراع إلى تراجع كبير في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، مع تجاوز سعر الصرف في السوق الموازية مستوى 5 آلاف جنيه للدولار الواحد.

هذا التدهور في سعر الصرف يعكس هشاشة البيئة النقدية وعمق الأزمة التي تضرب الاقتصاد، خاصة مع تعطل قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة، وتراجع الثقة في العملة المحلية، واتساع الاعتماد على النقد الورقي في المعاملات اليومية.

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، دخلت البلاد في أزمة إنسانية كبيرة خلّفت، وفق تقديرات دولية، عشرات الآلاف من القتلى، ونزوحاً يقارب 13 مليون شخص. ويؤثر هذا الواقع مباشرة في النشاط الاقتصادي، من التجارة والنقل إلى الخدمات المصرفية وسلاسل الإمداد.

قراءة في دلالات الخطوة

من الناحية الاقتصادية، يمكن فهم سحب بعض الفئات الورقية بوصفه إجراءً تنظيمياً ضمن محاولة السلطات النقدية إعادة ضبط التداول، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع مخاطر السيولة النقدية وصعوبة الرقابة على حركة الأموال. كما قد يساهم القرار في توجيه مزيد من المعاملات إلى النظام البنكي الرسمي.

غير أن فعالية مثل هذه الخطوات تعتمد على توفر قنوات مصرفية تعمل بكفاءة، وعلى قدرة المواطنين على الوصول إليها دون كلفة مرتفعة أو عراقيل لوجستية. وفي اقتصاد يعاني من الحرب والانقسام والتراجع الحاد في الثقة، تصبح أي سياسة نقدية أكثر تعقيداً عند التطبيق.

ومع اقتراب انتهاء مهلة الاستبدال، ستكون المتابعة الأساسية مرتبطة بمدى استجابة السوق للقرار، وما إذا كان البنك المركزي سيتمكن من ضمان انتقال منظم للفئات المسحوبة دون إرباك إضافي للأنشطة التجارية أو الأفراد الذين يحتفظون بالنقد الورقي.