محادثات مالية في لحظة حساسة
أعلنت وزارة المالية اليابانية أن وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما عقدت اجتماعاً عبر الإنترنت مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لبحث تطورات الأسواق المالية العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من التقلبات الحادة في أسعار العملات. ويأتي هذا التواصل في سياق أوسع من القلق بشأن حركة الين الياباني، الذي يواصل التعرض لضغوط واضحة أمام الدولار.
وبحسب كاتاياما، تركزت المناقشات على وضع الأسواق المالية العالمية، بما في ذلك انعكاسات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز وتأثيره المحتمل على تدفقات الطاقة والتسعير في الأسواق. وأشارت إلى أن الجانبين تبادلا وجهات نظر متقاربة بشأن الحاجة إلى التعامل الحازم مع الاضطرابات إذا استدعت الظروف ذلك.
ورغم سؤال الصحافيين عن احتمال بحث تدخل مباشر في سوق الصرف، امتنعت الوزيرة عن تأكيد أي نقاش صريح في هذا الشأن. لكنها شددت على أن التفاهم القائم بين طوكيو وواشنطن بشأن التحرك عند الضرورة لم يتغير، في إشارة إلى استمرار التنسيق بين البلدين حيال استقرار الأسواق.
الين يقترب من مستويات تاريخية
جاءت هذه التصريحات بينما واصل الين تراجعه الحاد، إذ لامس في وقت متأخر من مساء الاثنين مستوى قريباً من 161.9 ين مقابل الدولار، مقترباً من أدنى مستوى له منذ عامين. ويعتبر مستوى 161.96 عتبة مهمة، إذ يعني تجاوزه هبوط العملة إلى أدنى مستوى منذ عام 1986.
وفي التعاملات الآسيوية صباح الثلاثاء، استقر الين قرب 161.58 مقابل الدولار، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على العملة اليابانية في ظل فروق أسعار الفائدة وسياسة السوق العالمية المتوترة. كما تسود الأسواق تكهنات بأن السلطات اليابانية قد تلجأ إلى تحرك جديد إذا استمرت العملة في الهبوط بوتيرة سريعة أو غير منظمة.
وكانت طوكيو قد أنفقت بالفعل نحو 11.7 تريليون ين، أي ما يعادل 72.44 مليار دولار، للتدخل في سوق الصرف بين أواخر أبريل وأوائل مايو. وهذا الحجم من الإنفاق يعكس مدى حرص السلطات المالية اليابانية على الحد من التحركات المبالغ فيها في العملة، خاصة عندما تصبح التقلبات مصدر قلق للاقتصاد المحلي والشركات المستوردة للطاقة والمواد الخام.
وقالت كاتاياما إن اليابان ستتعامل بشكل مناسب مع تحركات العملة في أي وقت، وهي عبارة معتادة في الخطاب الرسمي، لكنها تحمل في الظروف الحالية قدراً كبيراً من الرسائل الموجهة إلى الأسواق بأن الحكومة تتابع التطورات عن كثب.
اجتماع امتداد لمشاورات قمة مجموعة السبع
أوضحت وزيرة المالية أن المحادثات لم تكن طارئة أو مفاجئة، بل جاءت امتداداً للنقاشات التي جرت خلال قمة قادة مجموعة السبع الأخيرة في إيفيان بفرنسا، والتي حضرها وزير الخزانة الأميركي. ويشير ذلك إلى أن قضايا الاستقرار المالي وتقلبات العملة باتت بنداً ثابتاً في المشاورات الثنائية بين البلدين، وليس مجرد رد فعل على حركة يومية في الأسواق.
وتحاول طوكيو في هذه المرحلة موازنة عدة اعتبارات: حماية الاقتصاد من تأثير ضعف الين على تكاليف الاستيراد، وتجنب إرسال إشارات متشددة للغاية قد تربك المستثمرين، والحفاظ في الوقت نفسه على انسجام الموقف مع واشنطن. وفي أسواق العملات، يمكن أن تؤثر أي إشارة سياسية أو مالية على توقعات المتعاملين بشأن توقيت وشكل أي تدخل محتمل.
التصنيع الياباني يسجل أفضل أداء في أكثر من أربع سنوات
بالتوازي مع تطورات سوق الصرف، أظهرت بيانات مسح نُشرت الثلاثاء أن قطاع التصنيع الياباني واصل التوسع في يونيو، مع تسارع الطلبيات الجديدة إلى أعلى وتيرة لها منذ أكثر من أربع سنوات. وارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 54.9 نقطة من 54.5 نقطة في مايو، ليقترب من أعلى مستوى سجله في أبريل عند 55.1 نقطة، وهو أعلى قراءة منذ يناير 2022.
وتشير أي قراءة فوق 50 نقطة إلى نمو النشاط، ما يعني أن المصانع اليابانية ما زالت تعمل في نطاق توسعي، رغم الضغوط الخارجية. ووفق المسح، ارتفع الإنتاج الصناعي بوتيرة أعلى قليلاً، كما دعمت الطلبات الجديدة موجة من الشراء الاستباقي من جانب العملاء الذين يخشون اضطرابات في الإمدادات أو زيادات إضافية في الأسعار.
لكن هذا التحسن لم يكن خالياً من التحديات. فقد ظل نمو طلبات التصدير الجديدة أبطأ قليلاً من مايو، وهو الشهر الذي سجّل فيه هذا المكون أسرع وتيرة له خلال خمس سنوات. كما بقيت تكاليف المدخلات والمخرجات قرب مستويات مرتفعة تاريخياً، رغم تراجعها النسبي عن الشهر السابق، في وقت أدى فيه الصراع في الشرق الأوسط إلى زيادة أسعار الطاقة والوقود والمواد الخام.
الخدمات تنتعش والوظائف تتحسن
في قطاع الخدمات، عاد النشاط إلى الارتفاع بعد فترة ركود في مايو، إذ صعد مؤشر الخدمات إلى 51.8 نقطة من 50 نقطة. وجاء التحسن مدعوماً بتحسن الطلب المحلي، بينما واصل الطلب الخارجي التراجع بوتيرة أسرع، ما يعكس تفاوتاً بين قوة الاستهلاك الداخلي وضعف البيئة الدولية.
كما ارتفع المؤشر المركب الذي يجمع بين التصنيع والخدمات إلى 52.5 نقطة في يونيو من 51.1 نقطة في مايو، ما يشير إلى اتساع قاعدة النمو في الاقتصاد الياباني خلال الشهر الحالي. ووفق محللين في «إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس»، فإن هذه القراءة تعني أن النشاط التجاري في اليابان حقق نمواً عاماً للمرة الأولى منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، رغم أن جانباً من هذا التحسن ارتبط بتخزين الشركات للمخزون تحسباً لتعطل الإمدادات.
وفي جانب التوظيف، سجل قطاع التصنيع الياباني أسرع نمو في العمالة منذ أكثر من ثماني سنوات خلال يونيو، وهي إشارة إيجابية على أن بعض الشركات لا تزال ترى مجالاً للتوسع في الإنتاج رغم الضبابية العالمية. غير أن هذا لا يلغي حقيقة أن الضغوط على التكاليف لا تزال مرتفعة، وأن أي تباطؤ في الطلب العالمي قد يعيد اختبار قدرة المصانع على الحفاظ على هذا الزخم.
النشاط الحالي قد لا يستمر طويلاً
ترى الأسواق أن جزءاً مهماً من التحسن الأخير في اليابان قد يكون مؤقتاً، لأن شراء الشركات لمزيد من المخزون جاء استجابة مباشرة لمخاوف اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار. وإذا خفت هذه المخاوف في الأشهر المقبلة، فقد يتراجع جزء من الزخم الحالي، خاصة إذا استمرت الضغوط على الاقتصاد العالمي أو عادت التقلبات في أسعار الطاقة والعملات.
ومع ذلك، تقدم البيانات الأخيرة صورة أكثر توازناً للاقتصاد الياباني: عملة ضعيفة تثير القلق، وسوق مالية تترقب تدخلات محتملة، وفي المقابل قطاع صناعي لا يزال في حالة توسع، وخدمات تعود إلى النمو، وتوظيف يواصل التحسن. هذه العناصر مجتمعة تضع صناع القرار أمام معادلة معقدة بين استقرار الأسعار، واستقرار العملة، والحفاظ على نمو اقتصادي لا يزال هشاً أمام الصدمات الخارجية.