سجلت الأسواق الآسيوية تراجعاً ملحوظاً في تعاملات الخميس، بعدما امتدت إليها موجة الضعف التي أصابت «وول ستريت» وأوقفت سلسلة صعود استثنائية لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وجاء الهبوط في ظل زيادة حذر المستثمرين، وتنامي عمليات جني الأرباح في أسهم التكنولوجيا، إلى جانب ضغوط إضافية من ارتفاع عوائد السندات العالمية وتذبذب أسعار النفط.
وأظهر الأداء العام للأسواق أن شهية المخاطرة بدأت تتراجع بعد فترة من المكاسب القوية التي دفعت مؤشرات عدة إلى مستويات مرتفعة تاريخياً. ومع تحوّل المزاج الاستثماري إلى الحذر، اختار المتعاملون تقليص مراكزهم في الأصول عالية التقييم، خصوصاً في القطاعات التي كانت الأكثر استفادة من موجة الصعود السابقة.
اليابان تقود التراجع في آسيا
كان السوق الياباني الأكثر تأثراً، إذ هبط مؤشر «نيكي 225» بنسبة 1.9 في المائة مع اتجاه المستثمرين إلى البيع لجني الأرباح، خاصة في أسهم التكنولوجيا. وتعرضت أسهم قطاع أشباه الموصلات والبرمجيات لضغوط واضحة، في وقت ارتبطت فيه التراجعات بميل المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر بعد المكاسب الأخيرة.
ومن بين الأسهم الأبرز هبوطاً، فقدت مجموعة «سوفت بنك» 10.4 في المائة من قيمتها، في حين تراجع سهم «شين - إيتسو كيميكال» بنسبة 3.8 في المائة. ويعكس هذا الأداء حساسية الشركات المرتبطة بالتقنية والرقائق لأي تحوّل سريع في مزاج السوق، خصوصاً عندما ترتفع العوائد وتزداد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة.
وفي باقي الأسواق الإقليمية، انخفض مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.3 في المائة، بينما تراجع مؤشر «شنغهاي المركب» 0.4 في المائة. كما خسر مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية 1.7 في المائة، وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز - أستراليا 200» بنسبة 1.5 في المائة. وتوضح هذه الحركة أن الضغوط لم تكن محصورة بسوق بعينها، بل شملت معظم البورصات الكبرى في المنطقة.
وول ستريت تفقد الزخم بعد سلسلة مكاسب ممتدة
جاءت هذه التراجعات بعد أن أنهى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأمريكي سلسلة مكاسب استمرت تسع جلسات متتالية، ليغلق منخفضاً 0.7 في المائة عن مستواه القياسي. كما تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» 1.2 في المائة، وانخفض «ناسداك المركب» 0.9 في المائة.
وكان سهم «بالو التو نتوركس» من أبرز العوامل الضاغطة على السوق الأمريكية، رغم أن الشركة أعلنت أرباحاً فصلية فاقت توقعات المحللين. ويعكس هذا التباين بين النتائج والأسعار حالة شائعة في الأسواق عندما تصبح التوقعات مرتفعة للغاية، بحيث لا يكفي الأداء التشغيلي القوي وحده لدفع الأسهم إلى مزيد من الارتفاع.
كما ساهم ارتفاع عوائد السندات في الضغط على الأسهم، بعد أن صعد العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى 4.49 في المائة. وجاءت هذه الحركة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، ما عزز المخاوف من بقاء تكاليف التمويل في مستويات مرتفعة لفترة أطول، وأثار تساؤلات بشأن تأثير ذلك في النمو والتقييمات الاستثمارية.
العوائد المرتفعة تضغط على التقييمات والتمويل
يرى المستثمرون أن ارتفاع العوائد لا ينعكس فقط على سندات الدين، بل يمتد أثره إلى مختلف فئات الأصول، وعلى رأسها الأسهم. فعندما ترتفع الفائدة والعوائد، تقل الجاذبية النسبية للأسهم التي تعتمد على تدفقات نقدية مستقبلية بعيدة، وهو ما يفسر الضغط المستمر على أسهم التكنولوجيا والقطاعات ذات النمو المرتفع.
وتتجاوز التداعيات السوق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ يؤدي تشدد أوضاع التمويل إلى زيادة كلفة الاقتراض على الشركات والأسر. وقد انعكس ذلك بالفعل في ارتفاع متوسط أسعار الفائدة على الرهون العقارية الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوى في تسعة أشهر، وهو ما قد يحد من النشاط الاستثماري والإنفاق الاستهلاكي خلال الفترة المقبلة.
كما تزداد المخاوف على الشركات الصغيرة، لأنها تعتمد بدرجة أكبر على التمويل الخارجي لتوسيع أعمالها وتمويل رأس المال العامل. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يتراجع مؤشر «راسل 2000» بنسبة 1.3 في المائة، في إشارة إلى أن الشركات الأصغر حجماً تتحمل العبء الأكبر عندما ترتفع تكلفة الاقتراض وتتراجع السيولة في الأسواق.
النفط والسياسة النقدية يعيدان رسم صورة المخاطر
زاد ارتفاع أسعار النفط من تعقيد المشهد، خصوصاً أنه جاء في وقت يتابع فيه المستثمرون آثار التوترات الجيوسياسية على الإمدادات العالمية. ومع كل صعود جديد في الطاقة، تتجدد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة أصعب بين دعم النمو ومكافحة الأسعار المرتفعة.
وتشير بيانات العوائد في الولايات المتحدة إلى أن الأسواق تواصل تسعير فترة أطول من التشدد النقدي، وهو ما يجعل تقييم الأسهم أكثر حساسية لأي بيانات اقتصادية أو تطورات جيوسياسية. كما أن الضغط على السندات والأسهم معاً يعكس انتقالاً في مزاج المستثمرين من البحث عن النمو السريع إلى التمسك بالسيولة والأصول الأكثر أماناً.
وفي هذا السياق، لا تزال الأسواق تراقب تأثير أسعار الطاقة على مسار التضخم العالمي، وعلى قدرة الشركات الكبرى على تمويل الاستثمارات الثقيلة مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. فهذه المشاريع، رغم أهميتها للنمو، تحتاج إلى بيئة تمويل مستقرة حتى تحافظ على وتيرة التوسع نفسها.
البيانات الاقتصادية تبقي الصورة مختلطة
على صعيد البيانات الأمريكية، صدرت مؤشرات متباينة الأربعاء؛ إذ أظهر تقرير لمعهد إدارة التوريد أن قطاعات البناء والزراعة والخدمات سجلت نمواً أسرع من توقعات الاقتصاديين خلال الشهر الماضي. لكن هذه الإشارات الإيجابية لم تكن كافية لتخفيف القلق، لأن الشركات ما زالت تواجه ضغوطاً من ارتفاع الأسعار المرتبط بالرسوم الجمركية ومن صعود تكاليف الطاقة والنفط.
وفي المقابل، ظلت الأسواق الأمريكية تتداول بالقرب من مستوياتها القياسية رغم التراجع الأخير، ما يعني أن المستثمرين لم يغيّروا نظرتهم الأساسية بالكامل، بل دخلوا في مرحلة إعادة تقييم مؤقتة للمخاطر بعد موجة ارتفاع طويلة. ويبدو أن الاتجاه العام ما زال مرتبطاً بالقدرة على امتصاص صدمات العوائد والطاقة من دون خسارة الزخم الاقتصادي.
كما دعم بعض المستثمرين فرضية أن أي تهدئة محتملة في سوق النفط قد تخفف الضغوط على الأصول المالية، وتمنح الأسهم مساحة للتماسك مجدداً. غير أن الصورة تبقى رهناً بتطورات السياسة النقدية، وحركة السندات، واستمرار الطلب العالمي على الأصول الخطرة.
شركات بارزة تتحرك عكس الاتجاه العام
ورغم الغلبة السلبية على المشهد، برزت تحركات فردية لعدد من الشركات الأمريكية. فقد ارتفع سهم «غايم ستوب» 6 في المائة بعد إعلان الشركة نمواً في الإيرادات الفصلية بنسبة 14 في المائة، إلى جانب خطة لإعادة شراء أسهم تصل قيمتها إلى ملياري دولار. كما صعد سهم «مايسيز» 0.6 في المائة بعد أن تجاوزت أرباحها التوقعات، مستفيدة من تحسن تشكيلة المنتجات وتطور الخدمة المقدمة للعملاء.
وتوضح هذه الحالات أن السوق ما زال يكافئ الشركات التي تجمع بين التحسن التشغيلي والقدرة على إدارة رأس المال، حتى في بيئة يغلب عليها الحذر. لكن التأثير الإيجابي لم يكن كافياً لقلب الاتجاه العام في جلسة سيطرت عليها المخاوف من العوائد المرتفعة وموجة البيع في الأصول الدفاعية والنمو معاً.
الدولار والين ضمن حركة تصحيح هادئة
في أسواق العملات، تراجع الدولار قليلاً أمام الين الياباني إلى 159.90 ين، مقارنة بـ160.08 ين في الجلسة السابقة. وفي المقابل، ارتفع اليورو إلى 1.1610 دولار. وتعكس هذه التحركات الضيقة حالة ترقب عامة، مع عدم وضوح المسار القصير الأجل للدولار في ظل تداخل العوامل الجيوسياسية والنقدية وأسعار الطاقة.
وبصورة أوسع، توحي التطورات الأخيرة بأن الأسواق دخلت مرحلة حساسة بعد صعود طويل، حيث لم تعد المكاسب السابقة كافية لحماية المؤشرات من موجات التصحيح السريعة. وبين ارتفاع العوائد وتقلب النفط وتباطؤ الزخم في «وول ستريت»، تبدو الأسهم الآسيوية الأكثر عرضة لالتقاط إشارات السوق الأمريكية في المدى القريب.