قفزة جديدة في التضخم الأميركي
سجّل التضخم في الولايات المتحدة ارتفاعاً لافتاً في أبريل، بعدما صعد مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى 3.8 في المائة على أساس سنوي. وتمثل هذه القراءة أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات، في إشارة إلى أن الضغوط السعرية ما زالت بعيدة عن العودة السريعة إلى هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.
وجاءت الزيادة بعد قراءة بلغت نحو 3.5 في المائة في مارس، ما يعني أن مسار الأسعار لم يهدأ رغم التوقعات السابقة بأن تؤدي قوة سوق العمل وتباطؤ بعض سلاسل الإمداد إلى تهدئة تدريجية في الأشهر التالية.
وتعكس البيانات الجديدة جانباً من التحديات التي تواجه الأسر الأميركية، مع استمرار ارتفاع كلفة السلع الأساسية والخدمات، وخصوصاً البنزين والغذاء. كما تشير إلى أن الفيدرالي قد يضطر إلى الإبقاء على موقف حذر لفترة أطول مما كان يأمله المستثمرون.
الطاقة والتعريفات يرفعان الأسعار
الارتفاع الأخير في الأسعار لم يأتِ من عامل واحد، بل من مجموعة ضغوط متزامنة. فقد قفزت أسعار البنزين في السوق الأميركية بنسبة 12.3 في المائة خلال أبريل وحده، لتتجاوز مكاسبها 50 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير وما تلاها من اضطرابات ملاحية في مضيق هرمز.
هذا التطور رفع كلفة النقل والإمداد، وألقى بظلاله على عدد من القطاعات المرتبطة بالطاقة. ومع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود، تنتقل الضغوط تدريجياً إلى سلع أخرى، من الشحن إلى التوزيع ثم إلى أسعار البيع للمستهلك النهائي.
وفي الوقت نفسه، لا تزال التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب تلعب دوراً في رفع الكلفة على الواردات والمواد الوسيطة. وأسهم ذلك في دفع مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إلى 3.3 في المائة على أساس سنوي مقابل 3.2 في المائة في الشهر السابق.
الفيدرالي أمام موقف أكثر تعقيداً
تأتي هذه الأرقام في لحظة دقيقة بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، الذي يجد نفسه بين ضغوط التضخم من جهة، وإشارات الصمود في سوق العمل من جهة أخرى. وداخل البنك المركزي، ظهرت نبرة أكثر تشدداً بين عدد من صناع السياسة النقدية، ما يعكس محدودية المساحة المتاحة لخفض الفائدة سريعاً.
نائب رئيس الفيدرالي فيليب جيفرسون قال إن متانة سوق العمل تمنح البنك مجالاً للتركيز على كبح التضخم، مشيراً إلى أن سعر الفائدة الحالي في النطاق بين 3.50 و3.75 في المائة يبدو مناسباً في الوقت الراهن، من دون استباق قرار اجتماع يونيو.
وفي الاتجاه نفسه، ألمحت ليزا كوك إلى أنها مستعدة لدعم رفع إضافي للفائدة إذا لم يظهر تباطؤ واضح في الأسعار، محذرة من خطر أن تتحول موجة التضخم إلى جزء ثابت من سلوك الأجور والأسعار إذا استمرت لفترة طويلة.
هذا الانقسام يعكس صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم وعدم دفع الاقتصاد إلى تباطؤ أشد، خصوصاً مع بقاء المستهلك الأميركي تحت ضغط تكاليف التمويل والإنفاق اليومي.
سوق العمل صامد لكنه ليس بمنأى عن التراجع
بيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية دعمت رؤية الفيدرالي بأن سوق العمل لا يزال متماسكاً نسبياً. فقد ارتفع عدد الطلبات الجديدة بنحو 5000 طلب فقط إلى 215 ألفاً في الأسبوع المنتهي في 23 مايو، وهي قراءة قريبة من التوقعات وتشير إلى أن عمليات التسريح لا تزال محدودة مقارنة بالمخاوف السابقة.
ورغم هذا الصمود العام، تظهر مؤشرات أخرى أن الفئات الأضعف ليست في موقع مريح. فخريجو الجامعات الجدد يواجهون صعوبة أكبر في الحصول على وظائف، كما تراجعت ثقة الأسر في توفر الوظائف إلى مستويات منخفضة، وفق مؤشرات بحثية حديثة. وهذا يعني أن صورة سوق العمل أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام العامة.
ويظل معدل البطالة مستقراً نسبياً عند حدود 4.3 في المائة، لكن هذا الاستقرار لا يلغي الضغوط التي تواجهها الشركات والأسر مع ارتفاع التكاليف واتساع حالة الحذر في قرارات التوظيف والإنفاق.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط التضخم
أحد أكثر جوانب المشهد إثارة للاهتمام هو التحذير الذي أطلقه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي، الذي رأى أن موجة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي قد تضيف مزيداً من الضغط التضخمي بدل أن تخففه في المدى القصير.
غولسبي رفض الفكرة القائلة إن الذكاء الاصطناعي سيعمل فوراً على خفض الأسعار عبر رفع الإنتاجية، موضحاً أن التوقعات الكبيرة بشأن المكاسب المستقبلية تدفع الشركات إلى إنفاق مبكر وواسع على مراكز البيانات والرقائق والبرمجيات والبنية التحتية المرتبطة بها. ووفق هذا المنطق، فإن الأسعار والأجور في قطاعات الإنشاءات والمعدات والطاقة قد ترتفع قبل أن تبدأ أي مكاسب إنتاجية فعلية في الظهور.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في قطاع الاقتصاد الرقمي، لأن سباق الشركات نحو الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تطوير البرمجيات، بل يشمل استثمارات مادية ضخمة تحتاج إلى كهرباء وأراضٍ ومعدات وعمالة متخصصة. وهذه العناصر قد تزيد من التكاليف على المدى القريب، حتى لو كانت قادرة لاحقاً على تحسين الكفاءة وخفض النفقات.
بهذا المعنى، لا يبدو الذكاء الاصطناعي محركاً سريعاً لانخفاض التضخم، بل عاملاً قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى حسابات السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
ما الذي يعنيه ذلك للأسواق والاقتصاد الرقمي
بالنسبة للأسواق المالية، تعني القراءة الجديدة أن الرهان على خفض قريب للفائدة أصبح أضعف، على الأقل إلى أن تظهر دلائل أكثر وضوحاً على تباطؤ الأسعار. أما بالنسبة للشركات، وخصوصاً تلك العاملة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، فإن البيئة الحالية تعني تمويلاً أكثر تكلفة وخطة استثمارية تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.
الشركات التي توسع إنفاقها على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد تجد نفسها أمام أسعار أعلى للطاقة والمعدات والعمالة، وهو ما يضغط على هوامش الربح في الأجل القصير. وفي المقابل، قد تستفيد الشركات القادرة على ضبط التكاليف وتسريع الكفاءة التشغيلية من أي تحول لاحق في الإنتاجية.
وفي المحصلة، تبدو الصورة الاقتصادية الأميركية أمام مرحلة حساسة تجمع بين تضخم يعود إلى الواجهة، وفيدرالي حريص على عدم التسرع، وقطاع تكنولوجي يواصل الاستثمار بقوة في الذكاء الاصطناعي حتى وهو يضيف مزيداً من التوتر إلى المعادلة الاقتصادية.