الأعمال والاقتصاد الرقمي 30-May-2026 5 دقائق قراءة

إطلاق قياسي من الاحتياطيات النفطية يخفف صدمة الإمدادات لكن تأثيره محدود

الوكالة الدولية للطاقة تقود أكبر سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها لدعم السوق بعد اضطراب الإمدادات المرتبط بالحرب، لكن أثره يعتمد على سرعة الضخ وعودة تدفقات الشرق الأوسط.

تتحرك الوكالة الدولية للطاقة نحو أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها، في محاولة لتهدئة اضطراب حاد في الإمدادات سببه اتساع الحرب حول إيران وتعطل تدفقات الخام من الشرق الأوسط. ورغم أن الخطوة تمثل تدخلاً غير مسبوق، فإن تأثيرها المرجح سيبقى محدوداً إذا استمرت القيود على صادرات المنطقة.

الوكالة قالت إن الدول الأعضاء الـ32 اتفقت بالإجماع على الإفراج عن 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة. ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية واحدة من أكبر صدمات العرض منذ سنوات، مع احتجاز جزء كبير من النفط داخل الخليج بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.

حجم الصدمة يفوق حجم التدخل

الأزمة الحالية لم تعد مجرد اضطراب عابر. فبحسب التقديرات المتداولة في السوق، فإن ما يقرب من 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات، أي نحو خُمس الإنتاج العالمي، تعذر خروجها من الخليج منذ بدء المواجهة العسكرية. ومع مرور أقل من أسبوعين على التصعيد، تشير الحسابات إلى عجز تراكمي يقترب من 220 مليون برميل.

هذا يعني أن الكمية التي ستُفرج عنها الاحتياطيات لا تغطي سوى جزء من النقص الفعلي. وحتى إذا جرى تنفيذ السحب بأقصى سرعة ممكنة، فإنها ستوفر متنفساً مؤقتاً للأسواق أكثر من كونها حلاً جذرياً للأزمة.

التوقيت وسرعة الضخ عاملان حاسمان

ما زالت تفاصيل التنفيذ غير مكتملة، وهو ما يجعل تقييم الأثر النهائي أمراً صعباً. فالوكالة تركت لكل دولة عضو حرية تحديد توقيت السحب من مخزوناتها، ما يعني أن السرعة التي تصل بها البراميل إلى السوق قد تختلف بشكل كبير.

تقديرات المؤسسات المصرفية تشير إلى أن السحب المنسق قد يتحرك في أفضل الأحوال عند نحو 1.2 مليون برميل يومياً، وهو مستوى قريب من عملية السحب التي جرت في 2022 بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. لكن حتى هذا المعدل لن يعوض إلا جزءاً صغيراً من الخسارة الحالية، ما يترك السوق في حالة عجز واضحة.

أين تصل البراميل سيحدد أثرها

الوجهة الجغرافية للإمدادات الجديدة لا تقل أهمية عن حجمها. فآسيا هي الأكثر تضرراً من الأزمة، لأنها تعتمد على الخليج في نحو 60% من وارداتها النفطية. وقد بدأت بعض المصافي هناك بالفعل خفض معدلات التشغيل، بينما لجأت دول عدة إلى تقييد الاستهلاك وحماية المخزونات.

اليابان، التي تمتلك ثاني أكبر احتياطيات استراتيجية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أعلنت نيتها الإفراج عن نحو 80 مليون برميل من المخزونين العام والخاص، بما يعادل 45 يوماً من الإمدادات. ومن المتوقع أن يبدأ ذلك في وقت مبكر من 16 مارس، ما يمنح المصافي اليابانية دعماً مباشراً وسريعاً.

في المقابل، قد لا تكون البراميل الأميركية مفيدة بالدرجة نفسها للمشترين في آسيا. فالشحن من ساحل الخليج الأميركي إلى سنغافورة يستغرق ما بين 40 و60 يوماً، وهي مدة أطول بكثير من الشحن من الخليج العربي. كما أن ارتفاع تكاليف النقل البحري بعد اندلاع الأزمة أضاف ما بين 10 و12 دولاراً للبرميل الواحد في بعض المسارات، ما يزيد العبء المالي على المستوردين.

الاحتياطيات وحدها لا تكفي

الولايات المتحدة لم تحدد بعد حصتها من السحب، لكن من المرجح أن تشكل الجزء الأكبر من العملية نظراً لحجم مخزوناتها. وتحتفظ واشنطن بنحو 415 مليون برميل في احتياطيها الاستراتيجي، وهو أقل من الطاقة القصوى للخزانات البالغة نحو 713 مليون برميل.

مع ذلك، فإن توظيف هذه المخزونات الكبيرة يطرح سؤالاً مهماً: ماذا سيبقى إذا طال أمد النزاع أو توسع أكثر؟ فكل برميل يُفرج عنه اليوم يقلل هامش الأمان المتاح غداً، في وقت ما تزال فيه الأسواق عرضة لارتفاع الأسعار وضغوط التضخم ومخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي.

كما أن أي تدخل طارئ من هذا النوع ينجح عادة في كسب الوقت، لكنه لا يعالج السبب الأساسي للأزمة. وإذا بقيت صادرات الشرق الأوسط متوقفة أو مقيدة، فإن السوق قد تعود سريعاً إلى حالة الشح حتى بعد الإفراج عن كميات كبيرة من المخزون.

توازن هش بين التهدئة والمخاطر

منذ تأسيسها في سبعينيات القرن الماضي، لم تلجأ الوكالة الدولية للطاقة إلى تنسيق سحب طارئ من الاحتياطيات سوى مرات محدودة، وكان ذلك دائماً في لحظات اضطراب حاد في السوق. وهذه الندرة تعكس حجم القلق الحالي، لكنها تكشف أيضاً حدود هذه الأداة عندما تكون الصدمة نفسها بهذا الاتساع.

بمعنى آخر، القرار يمنح الحكومات والمصافي والمتعاملين في الطاقة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يضمن استقراراً دائماً. وإذا لم تعد حركة النفط من الخليج إلى طبيعتها قريباً، فقد يتحول هذا السحب القياسي إلى إجراء مؤقت لا أكثر في مواجهة أزمة أكبر من قدرة المخزونات على امتصاصها بالكامل.