الأعمال والاقتصاد الرقمي 01-Jun-2026 4 دقائق قراءة

تراجع واردات الصين من النفط الخام يربك السوق ويعكس ضغط الأسعار والإمدادات

هبطت واردات الصين البحرية من النفط الخام إلى أدنى مستوى في نحو 10 سنوات في مايو، مع تأثيرات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع الأسعار وصعوبات الإمداد.

شهدت الصين في مايو هبوطًا واضحًا في واردات النفط الخام المنقولة بحرًا، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ نحو عشرة أعوام. هذا التراجع لم يكن حدثًا عابرًا في سوق الطاقة، بل نتيجة مباشرة لتداخل عوامل جيوسياسية وتجارية وضغوط سعرية أثرت في أكبر مستورد للخام في العالم.

وبحسب بيانات جمعتها شركة كبلر المتخصصة في تتبع الشحنات، بلغت الواردات البحرية الصينية 6.36 مليون برميل يوميًا في مايو، مقارنة بـ8.10 مليون برميل يوميًا في أبريل. كما كانت أقل بكثير من مستوى فبراير الذي سجل 11.39 مليون برميل يوميًا، وهو آخر شهر كامل قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير.

هذا الانخفاض الحاد دفع كثيرًا من القراءات السوقية إلى اعتباره عاملًا مساعدًا في إعادة توازن تدفقات النفط في آسيا بعد اضطراب الإمدادات المرتبط بتراجع حركة العبور عبر مضيق هرمز. لكن تفسير هذه التطورات لا يتعلق بالدعم المتعمد للأسواق بقدر ما يعكس استجابة اقتصادية من بكين لتغيرات الأسعار وتوافر الشحنات.

الأسعار المرتفعة تعيد تشكيل قرارات الشراء

تاريخيًا، تميل الصين إلى خفض مشترياتها النفطية عندما تقفز الأسعار العالمية بشكل سريع. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في عام 2022، عندما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ارتفاع خام برنت إلى ذروة بلغت 139.13 دولارًا للبرميل في مارس من ذلك العام. عندها تراجعت الشحنات البحرية إلى الصين من 10.84 مليون برميل يوميًا في يناير إلى 8.07 مليون برميل يوميًا في يونيو.

لكن ما حدث بين فبراير ومايو هذا العام كان أكبر بكثير من مجرد استجابة لارتفاع الأسعار. فقد هبطت الواردات بنحو 5.5 مليون برميل يوميًا خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو تراجع لا يمكن تفسيره بالسعر وحده. هذا يشير إلى أن جانب الإمدادات لعب دورًا لا يقل أهمية عن كلفة الشراء.

ومع تعطل جزء من حركة النفط المرتبطة بممرات الشرق الأوسط، واجهت المصافي الصينية صعوبة في الحصول على الخام من بعض الموردين المعتادين. وتظهر بيانات كبلر أن الواردات من العراق انخفضت من 790 ألف برميل يوميًا في فبراير إلى 60 ألفًا فقط في مايو، فيما هبطت الشحنات القادمة من الكويت من مستوى مرتفع سابق بلغ 522 ألف برميل يوميًا في أكتوبر إلى الصفر في مايو.

الخام الروسي لم يعوض النقص بالكامل

لم تقتصر التراجعات على موردي الشرق الأوسط، إذ انخفضت أيضًا الشحنات البحرية القادمة من روسيا إلى 1.07 مليون برميل يوميًا في مايو، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس، بعد أن كانت 1.96 مليون برميل يوميًا في فبراير.

وكانت الصين، قبل حرب إيران، المشتري الأكبر تقريبًا للخام الروسي الذي خضع لعقوبات غربية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب خففت القيود على النفط الروسي لتخفيف النقص في الإمدادات الذي تسبب به الصراع مع إيران. ونتيجة لذلك، عادت الهند، ثاني أكبر مشترٍ آسيوي، إلى شراء الخام الروسي بقوة. وقفزت وارداتها إلى 2.17 مليون برميل يوميًا في مايو، وهو مستوى قياسي ومضاعف تقريبًا لما كانت عليه في فبراير.

هذه التحولات تعني أن الصين لم تعد تستحوذ وحدها على الفوائض الروسية كما كان الحال قبل الأزمة الأخيرة، ما زاد من الضغط على خياراتها الشرائية. ومع تراجع بعض الإمدادات واشتداد المنافسة على الخام المتاح، اضطرت المصافي الصينية إلى تعديل عملياتها بوتيرة أسرع.

المصافي الصينية تعيد ترتيب الإنتاج

البيانات تشير إلى أن المصافي في الصين لم تتوقف كليًا، لكنها على الأرجح غيّرت مزيج الإنتاج بقدر ما تسمح به الظروف، بهدف تعزيز إنتاج الوقود المتوسط مثل الديزل ووقود الطائرات والبنزين. وفي المقابل، تعرض قطاع المواد الخفيفة المرتبط بالبتروكيماويات لضغوط أكبر، ما دفع منتجي البلاستيك على الأرجح إلى الاعتماد على المخزونات لمواصلة التشغيل.

كما يبدو أن الصين لم تلجأ بعد إلى السحب الواسع من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، بل استخدمت على الأرجح المخزونات التجارية من الخام والمنتجات المكررة. وهذا الخيار يمنحها مرونة مؤقتة، لكنه لا يمكن أن يستمر طويلًا إذا ظل مستوى الواردات منخفضًا.

إضافة إلى ذلك، أدى هبوط صادرات المنتجات النفطية المكررة إلى 463 ألف برميل يوميًا في مايو، بعد أن كانت 777 ألفًا في فبراير، إلى إبقاء كميات أكبر من الوقود داخل السوق المحلية. هذا ساعد في دعم الطلب الداخلي، لكنه في الوقت نفسه قلص قدرة الصين على موازنة السوق من خلال التصدير.

خيارات محدودة أمام بكين في المدى القريب

المعطيات الحالية تشير إلى أن المخزونات التجارية لن تكفي لفترة طويلة. وإذا استمرت الإمدادات في هذا المستوى، فستواجه الصين ثلاثة خيارات رئيسية: رفع واردات النفط الخام مجددًا، أو خفض معدلات تشغيل المصافي، أو اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي، وربما الجمع بين أكثر من خيار في الوقت نفسه.

المشكلة أن كل خيار يحمل تكلفة مختلفة على الاقتصاد الصيني وعلى سوق الطاقة الأوسع. زيادة الواردات قد تعني عودة الضغط على الأسعار العالمية إذا تحسن الطلب الصيني بسرعة، بينما خفض التكرير قد يقلص وفرة الوقود محليًا ويؤثر في الصناعة والنقل. أما استخدام الاحتياطي الاستراتيجي، فرغم أنه يخفف الصدمة مؤقتًا، فإنه ليس حلًا دائمًا إذا طال اضطراب الإمدادات.

في المحصلة، يوضح التراجع الأخير أن تحركات الصين النفطية لا تعكس موقفًا سياسيًا بقدر ما تعكس حسابات اقتصادية دقيقة. فمزيج الأسعار المرتفعة، واضطراب خطوط الإمداد، وتبدل خريطة المشترين في آسيا، كلها عوامل دفعت أكبر مستورد للخام في العالم إلى تقليص مشترياته بشكل حاد خلال فترة قصيرة.

ومع استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، ستظل قرارات الصين بشأن الشراء والتكرير والمخزون عنصرًا مؤثرًا في توجيه الأسعار والتدفقات التجارية في المنطقة، خصوصًا إذا بقيت الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا عرضة للتقلب.