17-Jul-2026 5 دقائق قراءة

أسهم الرقائق تتراجع رغم استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي واستثمارات مراكز البيانات

شهد قطاع أشباه الموصلات موجة بيع جديدة رغم استمرار الزخم القوي للذكاء الاصطناعي ونتائج الشركات المالية القوية، مع تحوّل تركيز المستثمرين من نمو الطلب الحالي إلى تقييم قدرة القطاع على الحفاظ على هوامش الأرباح في السنوات المقبلة.

موجة بيع جديدة في قطاع الرقائق

دخلت أسهم شركات أشباه الموصلات مرحلة من التذبذب الحاد بعد فترة طويلة من الصعود القوي الذي غذّته الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي. ورغم أن نتائج كثير من الشركات الكبرى بقيت قوية، فإن الأسواق تعاملت بحذر مع أي إشارة قد تعني تغيّراً في ميزان العرض والطلب، أو تباطؤاً محتملاً في وتيرة الصعود التي عرفها القطاع خلال العامين الماضيين.

وجاءت الضغوط الأخيرة على الأسهم بعد سلسلة من التطورات الإيجابية على المستوى التشغيلي، لكنها حملت في الوقت نفسه رسائل مقلقة للمستثمرين. فالتفاؤل الذي دفع التقييمات إلى مستويات مرتفعة للغاية بدأ يتحول إلى تساؤلات أكثر صرامة: هل ما زال القطاع قادراً على تحقيق نفس معدلات النمو؟ وهل الأسعار الحالية تعكس فعلاً كل سيناريوهات التوسع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟

هذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء الدورة الصاعدة، لكنه يكشف أن السوق دخلت مرحلة مختلفة، أصبحت فيها الأخبار الجيدة نفسها سبباً محتملاً للضغط على الأسهم إذا اعتُبرت مقدمة لزيادة المعروض أو تراجع هوامش الربح.

من نقص المعروض إلى مخاوف الوفرة

خلال العامين الماضيين استفادت شركات الرقائق، ولا سيما شركات الذاكرة، من شح كبير في الإمدادات تزامن مع الطلب المتصاعد من مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا النقص دعم الأسعار ورفع الأرباح إلى مستويات غير مسبوقة لدى شركات مثل ميكرون وإس كيه هاينكس وسامسونغ.

لكن الصورة بدأت تتغير مع الإشارات إلى أن كفاءة التصنيع تتحسن بسرعة أكبر مما كان متوقعاً. فالتقنيات المتقدمة في الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، أو ما يعرف بـEUV، باتت تمكّن خطوط الإنتاج من رفع قدرتها الإنتاجية من دون الحاجة إلى بناء مصانع جديدة بالضرورة. وعلى الرغم من أن ذلك يمثل تطوراً إيجابياً للصناعة من زاوية الكفاءة والإنتاج، فإنه أثار قلق المستثمرين من أن يؤدي ارتفاع المعروض إلى إنهاء مرحلة الندرة التي دعمت الأسعار في الفترة السابقة.

هذه المخاوف انعكست سريعاً على أسهم شركات الذاكرة، لأن أي تحسن كبير في الطاقة الإنتاجية قد يضغط على الأسعار لاحقاً، حتى لو ظل الطلب على الرقائق المتقدمة قوياً.

الأرباح القوية لم تعد كافية وحدها

السوق لا تقيّم نتائج اليوم فقط، بل تسعّر ما تعتقد أنه سيحدث خلال الأشهر والسنوات المقبلة. لذلك، حتى عندما أعلنت شركة تي إس إم سي أرباحاً قوية وارتفاعاً كبيراً في النتائج، لم يكن ذلك كافياً لدفع الأسهم إلى مواصلة الصعود بنفس الزخم السابق، لأن المستثمرين كانوا قد استبقوا هذه الأرقام في التقييمات بالفعل.

وفي المقابل، فإن أي تصريح يوحي بأن الطاقة الإنتاجية ستتحسن أكثر أو أن القيود على العرض ستخف، قد يُفسَّر في البورصة على أنه عامل سلبي، لأن السوق يبدأ فوراً في إعادة حساب الأسعار المستقبلية وهوامش الربحية المتوقعة. وهنا تظهر المفارقة: الخبر الجيد للصناعة قد يكون خبراً سيئاً للسهم إذا كان يعني أن دورة الأرباح السريعة تقترب من مرحلة أهدأ.

ويشير ذلك إلى أن قطاع الرقائق لم يعد يُعامل في الأسواق باعتباره كتلة واحدة تتحرك صعوداً مع كل خبر إيجابي، بل أصبح يخضع لفرز أدق بين الشركات القادرة على الحفاظ على نمو مستدام وتلك التي تعتمد أرباحها بدرجة أكبر على موجة الطلب الحالية.

جني أرباح بعد صعود استثنائي

جزء مهم من التراجع الأخير يعود أيضاً إلى عمليات جني الأرباح. فبعد مكاسب ضخمة حققها القطاع، لم يكن من المفاجئ أن يتجه بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم واحتجاز الأرباح المتراكمة. وقد تجاوزت مكاسب مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات نسبة 80 في المائة قبل بدء التصحيح الأخير، وهو مستوى يجعل السوق شديدة الحساسية لأي إشارة سلبية.

كما شهدت الصناديق المتخصصة في أسهم الرقائق تدفقات خروج ملحوظة بعد فترة قصيرة من تسجيل تدفقات قوية إليها، وهو ما يعكس أن المستثمرين لا ينسحبون من القطاع بالكامل، بل يعيدون موازنة محافظهم بعد موجة صعود اعتُبرت استثنائية.

هذه التحركات طبيعية في الأسواق التي ترتفع بسرعة كبيرة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما تكون التقييمات مرتفعة وعندما تتداخل معها مخاوف مستقبلية حول العرض والطلب والهوامش.

الذكاء الاصطناعي ما زال محركاً رئيسياً

رغم التراجع الحالي، لا توجد مؤشرات أساسية على أن الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأ يضعف. التوقعات لا تزال تشير إلى استمرار الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات ومعالجات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، مع دخول شركات التكنولوجيا الكبرى في سباق طويل لتوسيع قدراتها الحاسوبية.

وتتوقع تقديرات سوقية أن يقترب الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، بدعم من شركات مثل إنفيديا ومايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا. وهذا يعني أن الأساس الذي بُنيت عليه موجة الصعود لا يزال قائماً إلى حد كبير.

لكن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ستستمر، بل ما إذا كانت أسعار الأسهم الحالية تُظهر بالفعل كل هذا التفاؤل، أم أنها سبقت الواقع بدرجة كبيرة.

التضخم والفائدة والتوترات الجيوسياسية

إلى جانب عوامل القطاع نفسه، زادت البيئة الاقتصادية العامة من حذر المستثمرين. فتصاعد التوترات في الشرق الأوسط رفع أسعار النفط مجدداً، ما أعاد المخاوف من موجة تضخمية جديدة وأجّل توقعات خفض الفائدة في بعض الأسواق العالمية.

وبالنسبة لأسهم التكنولوجيا، فإن أسعار الفائدة المرتفعة تُعد عاملاً ضاغطاً لأن تقييماتها تعتمد بدرجة كبيرة على الأرباح المستقبلية. وكلما ارتفعت الفائدة، تراجعت جاذبية هذه الأرباح في الحسابات المالية للمستثمرين. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قد يضيف ضغوطاً على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج في صناعة تعتمد بشدة على الدقة والتعقيد التقني.

وبهذا المعنى، لا تتحرك أسهم الرقائق بمعزل عن الاقتصاد الكلي، بل تتأثر مباشرة بتوقعات التضخم وسياسات البنوك المركزية وأسعار الطاقة، إلى جانب ديناميكيات العرض داخل القطاع نفسه.

كوريا الجنوبية تتعامل مع التقلبات

التقلبات الحادة دفعت السلطات الكورية الجنوبية إلى التحرك للحد من المضاربات المرتبطة بصناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية، خصوصاً تلك المرتبطة بأسهم شركات الرقائق. وتخشى الجهات التنظيمية من أن هذه الأدوات تضخم موجات الصعود والهبوط معاً، ما يزيد حدة التذبذب في السوق المحلية.

ولهذا رفعت السلطات الحد الأدنى للاستثمار في هذه الصناديق، وشددت متطلبات الإفصاح والتوعية بالمخاطر، كما أوصت شركات الوساطة بالتريث في طرح منتجات جديدة من النوع نفسه. وتأتي هذه الخطوات في وقت أصبحت فيه أسهم الرقائق مؤثراً رئيسياً في المزاج الاستثماري داخل كوريا الجنوبية، نظراً لثقل شركات مثل إس كيه هاينكس وسامسونغ في السوق.

مرحلة فرز جديدة داخل القطاع

الاستنتاج الأبرز من التراجعات الأخيرة هو أن قطاع أشباه الموصلات يدخل مرحلة نضج نسبي بعد موجة الحماس الأولى. فالمستثمرون لم يعودوا يشترون القطاع ككتلة واحدة، بل يميزون بين الشركات التي تملك قدرة مستدامة على التوسع وتحقيق الأرباح، وتلك التي قد تتأثر سريعاً بأي زيادة في المعروض أو تباطؤ في الطلب.

وبينما لا تزال طفرة الذكاء الاصطناعي قائمة، فإن السوق باتت أكثر اهتماماً بجودة النمو لا بسرعة النمو فقط. وهذا يعني أن الأداء التشغيلي، وإدارة الطاقة الإنتاجية، والتحكم في الهوامش ستكون عوامل حاسمة في تحديد الرابحين والخاسرين خلال المرحلة المقبلة.

وبالتالي، فإن التراجع الحالي في أسهم الرقائق لا يبدو نهاية للقصة، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيداً، تتحرك فيه الأسواق من منطق الحماس الجماعي إلى منطق الانتقاء والحسابات الدقيقة.