تراجع جديد في أسعار الخام
واصلت أسعار النفط خسائرها في جلسة الأربعاء، لتبقى قريبة من أدنى مستوياتها منذ أربعة أشهر، مع زيادة المؤشرات على أن جزءاً أكبر من الشحنات العالقة في الخليج بدأ يجد طريقه إلى المرور عبر مضيق هرمز. وجاء هذا الأداء بعد موجة هبوط امتدت هذا الأسبوع مع تبدد جزء من علاوة المخاطر التي كانت تدعم الأسعار خلال الأسابيع الماضية.
وبحلول الساعة 00:43 بتوقيت غرينتش، نزل خام برنت إلى 76.71 دولار للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 72.85 دولار للبرميل، في تحرك يعكس استمرار الضغوط البيعية على السوق. وكان الخامان قد سجلا في الجلسة السابقة أدنى مستوى لهما منذ أوائل مارس.
المفاوضات والهدنة النسبيّة يضغطان على السوق
يرى متعاملون أن التهدئة النسبية بين واشنطن وطهران، إلى جانب التقدم الأولي في المحادثات، ساعدا على تخفيف المخاوف من اضطراب الإمدادات من منطقة الخليج. كما أن منح إيران إعفاءً من العقوبات لمدة 60 يوماً، بعد انطلاق جولة أولية من محادثات السلام، أضاف عنصراً آخر في اتجاه زيادة المعروض المحتمل في السوق.
وفي الخلفية، ساهم تراجع حدة الأعمال القتالية في لبنان في تعزيز الشعور بأن عوامل المخاطرة الجيوسياسية التي دعمت الأسعار سابقاً بدأت تفقد زخمها. ومع ذلك، لا تزال السوق حساسة لأي تعثر في المحادثات أو أي تطور يعيد المخاوف بشأن الإمدادات.
وقال محللون إن تراجع الأسعار هذا الأسبوع يرتبط أيضاً بتوقعات عودة حركة شحن النفط عبر المضيق إلى مستويات أكثر طبيعية إذا استمرت التفاهمات الحالية. لكنهم حذروا من أن أي تقدم إضافي أو أي انتكاسة في المسار التفاوضي يمكن أن يدفع الأسعار إلى تغيير اتجاهها بسرعة.
مضيق هرمز في قلب معادلة الإمدادات
تحسن التدفقات عبر مضيق هرمز بات محورياً في تسعير النفط، نظراً لأهمية الممر البحري في نقل الخام من الخليج إلى الأسواق العالمية. وأظهرت بيانات تتبع السفن أن عدداً من الناقلات العملاقة التي كانت عالقة منذ اندلاع الحرب تمكنت من عبور المضيق، بينما أشارت تقارير إلى بدء تنفيذ خطة لإجلاء مئات السفن العالقة في الخليج.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسئلة قائمة بشأن آلية إدارة الملاحة في المضيق، خاصة مع استمرار المناقشات بين سلطنة عمان وإيران حول هذا الملف. كما شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن أي محاولة لفرض رسوم عبور على السفن ستُعد مخالفة للقانون الدولي، في إشارة إلى حساسية الملف بالنسبة للتجارة البحرية العالمية.
وتشير بعض المصادر إلى أن عدداً محدوداً من السفن فقط يُسمح له يومياً بالعبور، بالتنسيق مع القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، ما يعني أن مسار العودة الكاملة إلى حركة طبيعية للشحن ما زال يحتاج إلى وقت وتفاهمات أكثر استقراراً.
المخزونات الأميركية تزيد صورة السوق تعقيداً
إلى جانب التطورات الجيوسياسية، يراقب المستثمرون بيانات المخزونات في الولايات المتحدة بوصفها مؤشراً مباشراً على توازن العرض والطلب. ووفق بيانات معهد البترول الأميركي، انخفضت مخزونات الخام الأميركي بمقدار 765 ألف برميل في الأسبوع المنتهي في 19 يونيو، في حين كانت توقعات المحللين تشير إلى تراجع أكبر بكثير.
ورغم أن الانخفاض يسير في اتجاه داعم للأسعار، فإن حجمه المحدود مقارنة بالتوقعات جعل الأثر الإيجابي على السوق أقل وضوحاً. ويترقب المتعاملون صدور البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأميركية لتأكيد الصورة النهائية حول المخزونات ومستوى الاستهلاك.
في العادة، يشير هبوط المخزونات إلى تحسن نسبي في الطلب أو تراجع في المعروض، لكن السوق الحالية تتعامل أيضاً مع عاملين متعارضين: احتمال زيادة تدفقات النفط من الشرق الأوسط من جهة، وإشارات على سحب محدود من المخزونات الأميركية من جهة أخرى.
الأسواق المالية تترجم هبوط النفط بطرق مختلفة
لم يقتصر تأثير أسعار الخام على سوق الطاقة فقط، بل امتد إلى أسواق الأسهم والعملات والمعادن. فهبوط النفط خفف الضغوط عن أسواق ناشئة مستوردة للطاقة، بينما عزز شهية المخاطرة في قطاعات مرتبطة بالاستهلاك والبنوك في بعض الأسواق الآسيوية. كما انعكس انخفاض تكلفة الطاقة إيجاباً على أسواق مثل الهند التي تعد من أكبر مستوردي الخام في العالم.
وفي أوروبا، بدت الأسهم أكثر حذراً عند الافتتاح مع متابعة المستثمرين للمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب أثره المحتمل على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. أما في أسواق المعادن، فقد تداخلت حركة الدولار الأميركي مع توقعات عودة المعروض من الشرق الأوسط لتضغط على بعض الأسعار، وعلى رأسها الألمنيوم، في وقت بقي النحاس مدعوماً بعوامل تخص الطلب المستقبلي المرتبط بالبنية التحتية والطاقة.
هذا الترابط بين الطاقة والتمويل العالمي يوضح أن أسعار النفط لم تعد تتحرك فقط استجابة للعوامل التقليدية المرتبطة بالإنتاج والطلب، بل تتأثر أيضاً بسرعة بتغيرات السياسة الخارجية والممرات البحرية والتمويل العالمي.
أفق قصير المدى: وفرة أكبر أم عودة للتقلب؟
السيناريو الأقرب في المدى القصير يعتمد على مدى نجاح الأطراف المعنية في تثبيت التهدئة وضمان استمرار الملاحة عبر المضيق دون تعطيل. فإذا اتسع نطاق العبور وعادت أعداد أكبر من الناقلات إلى العمل، فقد يواجه النفط مزيداً من الضغط نحو الهبوط، خاصة إذا تزامن ذلك مع بيانات مخزونات أضعف أو مؤشرات على تباطؤ الطلب العالمي.
أما إذا تعثرت المحادثات أو ظهرت إشارات إلى تشديد جديد على حركة الملاحة، فقد تعود علاوة المخاطر سريعاً إلى السوق. وفي هذه الحالة، قد تتراجع أهمية البيانات الأسبوعية للمخزونات أمام العامل الجيوسياسي، كما يحدث عادة في أسواق الطاقة عندما يتعلق الأمر بممرات الإمداد الحيوية.
حتى ذلك الحين، تبدو السوق في وضع ترقب، بين وفرة محتملة في المعروض، واستمرار حساسية عالية لأي تغير في مسار التهدئة بين واشنطن وطهران، وهو ما يجعل أسعار النفط عرضة لتحركات سريعة خلال الجلسات المقبلة.